فهرس الكتاب

الصفحة 394 من 575

فمن سأل عن سلفٍ في فهم الحديث، فحسبك بعبد الله بن عمرو ومن وافقه من الصحابة والتابعين في ذلك العصر، ومن سأل عن عالمٍ فحسبه عبد الله بن عمرو ومن وافقه من العلماء في وقته.

[قلتُ: والمقصود من حديث (اسمع وأطع وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك) جمعًا مع حديث (من قتل دون ماله فهو شهيد، من قتل دون دمه فهو شهيد) :أنه لو حصل أنّ الحاكم أخذ مال رجلٍ أو ضرب ظهره فإنّ ذلك لا يُبيح للرجل أن يخرج عليه وينزع يده من طاعته في المعروف، هذا فيما قد حصل وانتهى، فإنه صلى الله عليه وسلم قال: (وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك) وهذا فعلٌ ماضٍ، ولم يقل: إن أراد أخذ مالك أو أراد ضرب ظهرك.

أما إن كان الحاكم يريد أخذ ماله أو ضرب ظهره فله أن يمتنع ويدفع عن نفسه وماله، ويدلّ عليه حديث أبي هريرة السابق: أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال صلى الله عليه وسلم: (فلا تعطه مالك) قال أرأيت إن قاتلني؟ قال: (فقاتله) قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: (فأنت شهيد) قال أرأيتّ إن قتلته؟ قال: (هو في النار) رواه مسلم، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يستفصل من السائل عن الذي يريد أخذ ماله هل هو الحاكم أم غيره، وترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال، كذلك لم يقيّد النبي صلى الله عليه وسلم مشروعية مقاتلة الصائل بأن لا يكون حاكمًا، وإذا جازت مقاتلة من يريد الاعتداء على المال على الرغم من جواز بذل المال ابتداءً، فكيف بمن يصول على المجاهدين لتسليمهم للطواغيت ليفتنوهم عن دينهم فجواز هذا من باب أولى] .

وهنا شُبهة مشهورة رأيتُ أن لا يُؤخَّر الحديث عنها مع تعلّقها بمسألةِ دفعِ الصائل؛ فقد استدلَّ البعض على منع دفع الصائل من رجال المباحثِ، بما ذكره ابن المنذر حين قال: وأهل العلم كالمجمِعين على استثناء السلطان مما جاء في دفع الصائل.

وأولُ ما يُقال في هذه الشبهة: أنَّ محلّ كلام ابن المنذر السلطان المسلم لا الكافر، والكافر يجوز ابتداؤه بالقتالِ فضلًا عن دفعِهِ إذا صالَ، وطواغيت الجزيرة كفرةٌ مرتدّون بأدلةٍ لا يستطيع المخالف دفعها أو الجواب عنها.

ويُقال بعد ذلكَ: إنَّ ابن المنذرِ متساهل في حكاية الإجماعِ، وذلك معروفٌ عنه فلا يكاد يسلمُ نصفُ ما يحكيه من إجماعات، ومن الإجماعات التي يحكيها ما فيه خلافٌ مشهورٌ، ولا يُمكن تقديم إجماعٍ يحكيه ابن المنذرِ على عموم الحديث حين جاء رجلٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أرأيت إن جاءني رجلٌ يريد أخذ مالي؟ قال: فلا تعطه، قال: فإن قاتلني؟ قال: فقاتله، والحديث دالٌّ على العموم من وجوهٍ، منها ترك الاستفصالِ في مقام الاحتمال، وهذا منزّلٌ منزلة العموم في المقال، ومنها أنَّ قوله رجلٌ نكرةٌ في سياق شرطٍ، وهو أيضًا نكرةٌ في سياق استفهامٍ، وكلا هذين مفيدٌ للعموم.

فالعموم الظاهر الَّذي هو بهذه المنزلةِ، لا يُعترض عليه بإجماع ابن المنذر، وابن المنذر معروفٌ بتساهله في حكاية الإجماع، هذا لو كان حكى الإجماع صريحًا، فكيف وهو يقول كالمُجمعين، ولم يجعله إجماعًا؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت