فهرس الكتاب

الصفحة 395 من 575

ولو تُنزّل مع الخصم وفُرض جدلًا أنَّ الاستثناء الَّذي ذكره ابن المنذر صحيحٌ، وأنَّ قوله كالإجماع كحكايته الإجماع الصريح، وأنَّ إجماعاته مقبولةٌ يُستدلُّ بها على تخصيص الحديثِ، وأنَّ اسم السلطان يشمل المسلم والكافِر، لو سُلِّم بكلِّ هذا وأعرضنا عن عموم الحديث، وعن عمل عبد الله بن عمروٍ رضي الله عنه الَّذي لم يُخالفه أحدٌ من الصحابة.

لو تُنزِّل في كلِّ هذا؛ فمحلُّه ولا ريبَ من أراد السلطان العدوان على مالِهِ، ولا يقول أحدٌ بمثل ذلك في عرضِهِ، وأهل العلم حين فرّقوا بين العرض والمال في وجوب الدفع في الأوَّل وجوازه في الثاني دون وجوبٍ على الأصحّ، علَّلوا ذلك بأنَّ المال يجوز بذلُهُ ابتداءً بخلاف العرض، وهذه العلَّة بعينها موجودةٌ في النفسِ، فإن جازَ له الدفعُ عن العِرضِ الَّذي لا يجوز بذله ولو كان الصائل سلطانًا، فإنَّ الدفع عن النفسِ جائزٌ لأنَّها كالعرض لا يجوزُ بذلُها ابتداءً، ولولا النصوص في الباب لقيلَ بوجوبِ الدفع عن النفسِ كما يُدفع عن العرض، ولكنَّ النصوص فرَّقت بينهما في حكم الوجوب لعلَّةٍ أطال الفقهاء الكلام فيها.

هذا والصواب كما تقدَّم أنَّ كلام ابن المنذر في السلطان المسلم دون الكافر، وهو غيرُ مسلَّمٍ حتَّى في السلطان المسلم بل عمل الصحابي وعموم الحديث دالٌّ على مشروعيَّة دفع الصائل ولو كان سلطانًا.

وهذا كلُّه مفروضٌ في صيالِ سلطانٍ كافرٍ على رعيَّته، أمَّا الحال في بلاد الحرمين مع المجاهدين، فهو صيالٌ من الصليبيين وعملائهم على شوكةِ المسلمين وقوّة الإسلامِ، وعمل حثيثٌ دؤوبٌ على استئصال المجاهدينَ برمّتِهِم، وأقلّ أحوالِه اعتقالهم سنين طويلةً لرعايةِ أمنِ الصليبيين في بلاد الحرمين.

كما أنَّه في حقِّ المجاهدين العاملين خاصة، صيالٌ من كافرٍ على الجهادِ في سبيلِ اللهِ نفسِه وجزءٌ من الدفاع عمن خرج المجاهدون لجهادِهِ أصلًا، وجمعوا ما جمعوا لإقامة أحكام الله فيه، فما الفرقُ بين الصائل عليه ليحول بينه وبين الصليبيين إذا استقبلَ مجمّعاتِهم، والصائلِ عليهِ وهو يعدُّ العدَّةَ لذلك؟ أو للذهاب للجهاد في سبيل الله في العراقِ وغيرِها من ثغور الإسلام؟

وقد يقول البعض إن عددًا من الأئمة حين طُلِبوا من السلطان لم يقاتلوه!

فنقول: من لم يُقاتل من الأئمَّة حين سيقوا إلى السجون فنحن لا نقول إنَّ الاستئسار للكافر محرّمٌ في الأصلِ، فضلًا عن الحاكم الجائر وقتذاك، وإنَّما نقول إنَّ الاستسلام له غير واجبٍ، وقتاله مشروعٌ جائزٌ.

وهذا في السلطان المسلم، أمَّا الطواغيتُ فبابهم غير هذا، وأمرهم مختلفٌ، وقتالهم يدلُّ عليه كلُّ دليلٍ، وتشهد به كلُّ بيّنةٍ، وما ذكرناه هنا لبيان حكم دفع الصائل حين يكون سلطانًا مسلمًا، يوحد الله ويحكّم شريعته، فكيف بالصائل الكافر المرتدّ ردَّةً غليظة؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت