بالحرب فجأة ليلا ومعه أبو نائلة وهو أخو كعب من الرضاعة فدعاهم إلى الحصن فنزل إليهم فقالت له امرأته أين تخرج هذه الساعة؟! فقال إنما هو محمد بن مسلمة وأخي أبو نائلة وقال غير عمرو: فقالت اسمع صوته كأنه يقطر وفي بعض الروايات إني لأسمع صوتا كأنه صوت دم قال إنما هو أخي محمد بن مسلمة ورضيعي أبو نائلة إن الكريم لو دعي إلى طعنة بليل لأجاب ويدخل محمد بن مسلمة ومعه رجلين سماهم عمرو قال (أبو عبس بن حبر وعباد بن بشر) قال عمرو فقال محمد بن مسلمة: إذا جاء فسوف أمد يدي إلى رأسه فإذا رأيتموني استمكنت من رأسه فدونكم فاضربوه (وتلك هي طريقة للتمكن من قتله حيث انه كان ضخم الجثة قوي البنية) فلما نزل نزل وهو متوشح قالوا: نجد منك ريح الطيب قال: نعم تحتي فلانة أعطر نساء العرب قال: أفتأذن لي أن أشم منه؟ قال: نعم فشم ثم قال: أتأذن لي أن أعود؟ قال: فاستمكن منه ثم قال: دونكم فقتلوه. متفق عليه.
وقد جاء اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعد مقتل كعب ابن الأشرف فقالوا يا محمد: قد طرق أي قتل صاحبنا الليلة وهو سيد من سادتنا قتل غيلة بلا جرم ولا حدث علمناه ... قال صلى الله عليه وسلم إنه لو فر كما فر غيره ممن هو على مثل رأيه ما اغتيل، ولكنه آذانا وهجانا بالشعر ولم يفعل هذا أحد منكم إلا كان للسيف.
فكعب بن الأشرف كان يحرض المشركين على المسلمين وكان يهجو النبي صلى الله عليه وسلم بشعره وتشبب (تغزل) بنساء المسلمين.
قال ابن حجر رحمه الله: (وفي مرسل عكرمة فأصبحت يهود مذعورين فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: قتل سيدنا غيلة فذكرهم النبي صلى الله عليه وسلم صنيعه وما كان يحرض عليه ويؤذي المسلمين زاد سعد فخافوا فلم ينطقوا إلى أن قال ابن حجر: وفيه جواز قتل المشرك بغير دعوة إذا كانت الدعوة العامة قد بلغته. وفيه جواز الكلام الذي يحتاج إليه في الحرب ولو لم يقصد قائله إلى حقيقته) . وقد أخرج البخاري هذا الحديث في كتاب الجهاد (باب الكذب في الحرب) و (باب الفَتْك بأهل الحرب) .
قال النووي رحمه الله عند شرحه لهذا الحديث: (وكان كعب قد نقض عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يؤمنه محمد بن مسلمة ورفقته ولكنه استأنس بهم فتمكنوا منه من غير عهد ولا أمان وأما ترجمة البخاري على هذا الحديث بباب الفتك في الحرب فليس معناه الحرب بل الفتك هو القتل على غرة وغفلة والغيلة نحوه وقد استدل بهذا الحديث بعضهم على جواز اغتيال من بلغته الدعوة من الكفار وتبييته من غير دعاء إلى الإسلام) أ. هـ.
وقد قال النووي رحمه الله أيضا: (قال ـ القاضي عياض ـ ولا يحل لأحد أن يقول إن قتله كان غدرا وقد قال ذلك إنسان في مجلس علي بن أبي طالب رضي الله عنه فأمر به فضرب عنقه) .
قلت: فمن وَصَفَ اغتيال الكافرين المحاربين لله ورسوله صلى الله عليه وسلم بأنه غدر ونحو ذلك أو أن الإسلام يحرم ذلك فهو ضال مكذب بالكتاب والسنة.