الرجل جرحًا شديدًا، فاستعجل الموت، فوضع سيفه بالأرض وذبابه بين ثدييه، ثم تحامل على سيفه فقتل نفسه ... الحديث (رواه البخاري في كتاب المغازي من صحيحه) . (الفتح، 7/ 471/ح 4202)
وفي رواية أبي هريرة رضي الله عنه (ح 4203) : ( ... فلما حضر القتال قاتل الرجل أشد القتال حتى كثرت به الجراحة فكاد بعض الناس يرتاب، فوجد الرجل ألم الجراحة، فأهوى بيده إلى كنانته فاستخرج منها أسهمًا فنحر بها نفسه ... ) الحديث.
وفي رواية (فانتحر بها) رواه البخاري في كتاب القدر باب العمل بالخواتيم (الفتح، 11/ 498 ح 6606) .
فالانتحار إذا كان للأسباب الآنفة الذكر فلا شك في حرمته وهو من كبائر الذنوب وصاحبه معرض للوعيد، ولا يجوز للمسلم بأي حال قتل نفسه أو تعريضها للتلف أو الهلاك بسبب الضرر الدنيوي.
بل ورد النهي عن تمني المريض الموت من ضر أصابه فقد أخرجه البخاري في صحيحه كتاب المرضى باب تمني المريض الموت (الفتح، 10/ 127 ح 5671 (عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:(لا يتمنينّ أحدكم الموت من ضر أصابه، فإن كان لا بد فاعلًا فليقل: اللهمّ أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي وتوفّني إذا كانت الوفاة خيرًا لي) .
قال الحافظ في الفتح (10/ 128) : (وقوله:(من ضر أصابه) حمله جماعة من السلف على الضر الدنيوي، فإن وجد الضرر الأخروي بأن خشي فتنة في دينه لم يدخل في النهي، ويمكن أن يؤخذ ذلك من رواية ابن حبان (لا يتمنّينّ أحدكم الموت لضر نزل به في الدنيا) على أنّ (في) في هذا الحديث سببية أي بسبب أمر من الدنيا، وقد فعل ذلك جماعة من الصحابة: ففي (الموطأ) عن عمر أنه قال: (اللهمّ كبرت سنّي وضعفت قوّتي وانتشرت رعيّتي، فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفرط) . وأخرجه عبد الرزاق من وجه آخر عن عمر وأخرج أحمد وغيره من طريق عبس ويقال عابس الغفاري أنه قال: يا طاعون خذني، فقال له عليم الكندي: لم تقول هذا؟ ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يتمنّينّ أحدكم الموت) ، فقال: إنّي سمعته يقول: (بادروا بالموت ستًا: إمرة السفهاء، وكثرة الشرط، وبيع الحكم) الحديث. وأخرج أحمد أيضًا من حديث عوف بن مالك نحوه وأنه قيل له: ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما عمر المسلم كان خيرًا له) الحديث، وفيه الجواب نحوه. وأصرح منه في ذلك حديث معاذ الذي أخرجه أبو داود وصحّحه الحاكم في القول في دبر كل صلاة وفيه (وإذا أردت بقوم فتنةً فتوفّني إليك غير مفتون) . أهـ
فإذا كان تمني الموت - مجرد التمني - حرام بسبب الضر الدنيوي، بخلاف تمنيه إن وجد الضرر الأخروي، دل ذلك أنّ الضرر الأخروي لا يدخل صاحبه في النهي الوارد في هذا الحديث.
وهكذا في مسألتنا هذه، وهي ما تسمى بالعمليات الاستشهادية، - والعمليات التي تمّت في أمريكا هي منها بلا شكّ - إن كان الذين قاموا بها مجاهدين في سبيل الله - فلا يمكن حملها بالأدلة الناهية عن الانتحار ذلك أنّ تلك الأدلة وردت فيمن قتل نفسه بسبب ضرر دنيوي لا أخروي أو بسبب الحرص على الدنيا والمال فيحمل