نفسه على الغرر المؤدي إلى تلف النفس وهلاكها أو كان بسبب مرض شديد أو في حال غضب أو ضجر أو خوف أو غمّ أو جزع أو عدم صبر، فيستعجل الموت فيقتل نفسه.
أما من قتل نفسه مجاهدًا في سبيل الله يهدف من وراء ذلك النكاية في أعداء الإسلام وإثخان الجراح بهم وتكبيدهم الخسائر الباهظة، أو إدخال الرعب في قلوبهم، أو علم أنه يكسر قلوب الكفار حين يشاهدون جرأة المسلم وشجاعته في سبيل الله، أو كان قصده تجرأة المسلمين عليهم حتى يصنعوا مثل صنيعه، أو يكون قصده إرهاب أعداء الله ليعلموا صلابة المسلمين في الدين، أو نحو ذلك من المقاصد الحسنة، فلا يتناوله عموم النهي الوارد في حرمة قتل النفس لاختلاف المقاصد والنيات، فمقصد الذي يقوم بالعمليات الاستشهادية هو مقصد أخروي يبتغي بذلك وجه الله، وإنما يفعل ذلك طلبًا للشهادة وللقتال في سبيل الله، مع غلبة ظنه على تحقق المصلحة الشرعية من مثل هذه العمليات، فتلف النفس لإعزاز الدين ولإهلاك الكافرين مقام شريف مدح الله به المؤمنين في قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ... ) الآية [التوبة: 111] .
وإنّ مما قرره الشرع أنّ المحافظة على منافع الخلق وفق مراد الشرع مصلحة، والشرع إنما (قصد بالتشريع إقامة المصالح الأخروية والدنيوية وذلك على وجه لا يختلّ لها به نظام لا بحسب الكل ولا بحسب الجزء، وسواء في ذلك ما كان من قبيل الضروريات أو الحاجيات أو التحسينيات. فإنها لو كانت موضوعةً بحيث يمكن أن يختلّ نظامها أو تختلّ أحكامها، لم يكن التشريع موضوعًا لها، إذ ليس كونها مصالح إذ ذاك بأولى من كونها مفاسد. لكنّ الشارع قاصد بها أن تكون مصالح على الإطلاق، فلا بد أن يكون وضعها على ذلك الوجه أبديًا وكليًا وعامًا في جميع أنواع التكليف والمكلفين وجميع الأحوال. وكذلك وجدنا الأمر فيها والحمد لله) . (الموافقات للشاطبي، 2/ 37) ، وهذا المعنى بعينه موجود في العمليات الاستشهادية، لأن القيام بها دفع لمضرة استيلاء الكفار على بلاد المسلمين ومن المعلوم أنّ دفع المضرة مصلحة، وأي مضرة هي أعظم من استيلاء الكفار على بلاد المسلمين واستباحتهم لبيضة الإسلام، وقد قضت الشريعة بوجوب إحراز مرتبة حفظ الدين وجعلها في أول سلم الكليات الخمس حتى وإن قضت الضرورة بالتضحية ببقية الكليات والتي هي دون حفظ الدين (فيجب المحافظة على مصلحة الدين وتقويم شرعته حتى وإن استلزم ذلك فوات ما دونها وهو مصلحة المحافظة على النفس، ومن أجل ذلك شرع الجهاد) . (ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية، ص 57) ، فإذا كان الحفاظ على نفس المجاهد وعدم تعريضه للتلف والهلاك مصلحة، فإن الحفاظ على الإسلام أعظم مصلحة من الحفاظ على أرواح أفراد من مجموع الأمّة، فعند الموازنة بين المصلحتين نجد أنّ مصلحة الإسلام والأمّة كلها أولى من مصلحة فرد أو عدّة أفراد من مجموع الأمّة، فالضرورة قد تحمل المسلمين على القيام بالعمليات الاستشهادية للتضحية بمصلحة القائمين بهذه العمليات الاستشهادية في سبيل بقاء الدين وإنقاذ المسلمين. وهذا الذي عناه الأصوليون بحقيقة الضرورة فهم يقولون إنّ (نظرية الضرورة في حقيقتها تئول إلى توارد مصلحتين ومفسدتين على أمر واحد، وبين هاتين المصلحتين وهاتين