فهرس الكتاب

الصفحة 412 من 575

ولاَ يُقْتَلُ؛ وقد حصلت عشرات الحوادث من هذا النوع في أفغانستان والشيشان وفي البوسنة والهرسك وغيرها، بل إنّ أحد الذين قاموا بتفجير سفارتي أمريكا في نيروبي ودار السلام نفذ العملية بنجاح ولم يمت ولم تتلف نفسه وخرج من المبنى المدمر سالمًا. انتهى كلامه.

ولتوضيح المسألة أقول: إن قتل النفس يكون على صورتين:

الأولى/ أن يباشر الإنسان قتل نفسه، وذلك كأن يشنق نفسه، أو يطعنها بسكين، أو يشرب سمًّا، أو يلقي نفسه من شاهق فيموت، ونحو ذلك.

الثانية/ أن يتسبب في قتل نفسه، وذلك بأن يُعرّضها للقتل ويكون المباشر للقتل غيره، سواء كان الذي باشر قتله متعمدًا أو مخطئًا، مثاله: أن ينغمس بين المقاتلين حاسرًا فيقتلونه، أو يُلقي نفسه بين السباع أو الحيات فتقتله، أو يُلقي بنفسه في طريق فتدهسه السيارات فتقتله، ونحو ذلك.

فالأول الذي باشر قتل نفسه الأصل في حكمه أنه منتحر، والثاني المتسبب في قتل نفسه الأصل في حكمه أنه منتحر أيضًا لأنه تسبب فيما يفضي إلى الموت وزهوق النفس، وهذه الصورة التي يسميها العلماء بالسببيّة التي لها حكم المباشرة؛ لأنها أدّت إلى ما تؤدّي إليه المباشرة، وهو الموت.

إذا تبين هذا فقد علمتَ أنّ قتل النفس سواء كان بالمباشرة أو بتعريضها لما يتلفها هو داخل في باب الانتحار مع أنه عند تعريض نفسه للتلف لم يباشر هو قتل نفسه وإنما تسبب في ذلك، ولكن لما كان التسبب هنا يفضي إلى ما تفضي إليه المباشرة وهو زهوق النفس كان حكمهما واحد.

إذا علمت هذا فإنه لا يخفى عليك حرمة قتل النفس في ديننا سواء كان قتلها بالمباشرة أو بالسببيّة، ولكن جاء في السنة ما يستثني من هذا الحكم بعض صور القتل.

فقد جاءت السنة بمدح من يعرّض نفسه للتلف والقتل في سبيل الله للتنكيل بأعداء الله، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: (من خير معاش الناس لهم رجلٌ ممسكٌ بعنان فرسه في سبيل الله يطير على متنه كلما سمع هيعة أو فزعة طار إليها يبتغي القتل والموت مظانّه .. ) رواه مسلم.

وقد قام بعض الصحابة رضي الله عنهم باقتحام مواضع الهلكة حاسرين حتى قُتِلوا ومع ذلك مدحهم الله في كتابه ومدحهم النبي صلى الله عليه وسلم، كعمير بن الحمام رضي الله عنه في غزوة بدر، وأنس بن النضر رضي الله عنه في غزوة أحد حين انكشف المسلمون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشاع بينهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد مات، فلقي أنس بن النضر عمر بن الخطاب وسعد بن معاذ فسألهما عن سبب توقفهما عن القتال فقال أحدهم لقد قُتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أنس وماذا تفعلون بعد مقتله قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع هؤلاء -يعني المشركين- وأعتذر إليك مما صنع هؤلاء - يعني أصحابه- ثم انطلق فانغمس في صفوف المشركين حتى قتلوه ومثلوا به، قال أنس بن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت