فهرس الكتاب

الصفحة 413 من 575

مالك رضي الله عنه فكنا نقول إن قوله تعالى: {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر} نزلت في أنس بن النضر وأصحابه.

فتعلم حينئذٍ أن التسبب في قتل النفس إذا كان للإثخان في صفوف الكفار ليس داخلا في حكم الانتحار مع أنه تسببٌ يُفضي إلى القتل، والفرق في المقاصد هو الذي أثّر في الحكم، فمن فجّر المتفجرات بين الأعداء لقتلهم والنكاية بهم وتلفت نفسه في ذلك ليس كمن قتل نفسه جزعًا من غير مصلحة شرعية، ومن دخل في صفوف الأعداء حاسرًا للنكاية بهم ولتجريء المسلمين عليهم مع تيقنه أو غلبة ظنه أنه مقتول ليس كمن ألقى نفسه بين الحيات والحيوانات المفترسة فقتلته، مع كون جميع الصور مؤدية إلى تلف النفس، ولكن فرقّ بينها المقاصد.

وإذا كان تعريض النفس للتلف في سبيل الله جائزًا فكذلك المباشرة في ذلك جائزة لأنّ كلا الصورتين مفضية إلى الزهوق فحكمهما واحد، فكما أن قتل النفس جزعًا أو تعريضها للموت جزعًا يعتبر حكمهما واحدا، فكذلك قتل النفس أو تعريضها للقتل في سبيل الله لإعلاء كلمة الله والإثخان في الكافرين يعتبر حكمهما واحدا، فإذا تغيّر حكم التعريض بسبب المقصد فكذلك يتغير حكم المباشرة من أجل المقصد.

فإن قيل: إن مباشرة قتل النفس يقيني متحقق الزهوق، والتعريض ظنّي محتمل النجاة.

فالجواب: أن الظني هنا حكمه حكم اليقيني، فكما أن من يُلقي نفسه بين السباع قاصدًا مختارًا فتقتله يعتبر منتحرًا وإن وُجد احتمال لنجاته، ويكون حكمه كحكم المباشر قتل نفسه، مع اختلاف صورتي القتل، فالسببية ظنية والمباشرة يقينية ومع ذلك يعتبر كلاهما منتحرًا، ولم يختلف الحكم بالظن أو اليقين.

فكذلك الحكم فيمن باشر قتل نفسه تنكيلًا بأعداء الله وتحريضا وتجريئًا للمؤمنين على الكافرين حكمه حكم من اقتحم مواطن الهلكة وتلفت نفسه بذلك، فإذا خرج المقتحم لمواطن الهلكة لإعلاء كلمة الله عن حكم الانتحار بسبب المقصد، فكذلك يخرج من باشر قتل نفسه لإعلاء كلمة الله والتنكيل بالكافرين عن حكم الانتحار بسبب المقصد.

مع التنبيه على أنّ صاحب العملية الاستشهادية تلفت نفسه تبعًا لا قصدًا وهو بذلك يُفارق من باشر قتل نفسه جزعًا قاصدًا، فلا يصح اعتبار الصورتين صورة واحدة، لاختلافهما في النية والقصد، ولاختلافهما في الحقيقة فالمنتحر باشرَ قتل نفسه قاصدًا قتلها، وأما صاحب العملية الاستشهادية فإن نفسه تلفت تبعًا وهو في الأصل قاصدٌ قتل الكفار.

فلا يصح قياس فعل المنتحر على فعل صاحب العملية الاستشهادية لأمرين:

الأول/ اختلاف المقصد، والشريعة فرّقت في الحكم لاختلاف المقاصد.

الثاني/ أن المنتحر يقتل نفسه قاصدًا قتلها، وصاحب العملية الاستشهادية قاصد قتل الكفار وتتلف نفسه في ذلك تبعًا لا قصدًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت