فقد رأيتَ أنَّ ابن تيميَّة تحدّث عن صورتين لمسألة التَّترس، الأولى اتفاقية، والثانية خلافيَّة فيها قولان مشهوران، وفي كلامه ميلٌ إلى ترجيح الجواز في الصورة المختلف فيها من التّترس كما يشير إليه قوله"ولا يترك الجهاد الواجب لأجل من يقتل شهيدًا"، والصورتان هما:
الأولى: أن يُخاف على المسلمين الضرر، إذا لم يُقاتل الكافر المتترّس بمسلمين، فهذه الصورة اتّفاقيَّة عند شيخ الإسلام وغيره.
الثانية: أن لا يُخاف على المسلمين الضَّرر من ترك قتال المتترسين، فليس فيه مصلحةٌ تغتفرُ لأجلها مفسدة قتل المسلمين، إلاَّ مصلحةُ استمرار الجهاد، وامتثال الأمر به، فهذه المسألة فيها قولان مشهورانِ.
فاستدلال المجاهدين بمسألة التّترس، لا يخرج عن أن يكون محلّ إجماعِ، أو أحد القولين المشهورَينِ لأهل الإسلام.
قال الكاساني رحمه الله: (ولا بأس بالإغارة والبيات عليهم؛ ولا بأس(بقطع) أشجارهم المثمرة وغير المثمرة، وإفساد زروعهم لقوله تبارك وتعالى (ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين) ، أذن سبحانه وتعالى (بقطع) النخيل في صدر الآية الشريفة ونبه في آخرها أن ذلك يكون كبتا وغيظا للعدو بقوله تبارك وتعالى وليخزي الفاسقين ولا بأس بإحراق حصونهم بالنار وإغراقها بالماء وتخريبها وهدمها عليهم ونصب المنجنيق عليها لقوله تبارك وتعالى (يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين) ، ولأن كل ذلك من باب القتال لما فيه من قهر العدو وكبتهم وغيظهم ولأن حرمة الأموال لحرمة أربابها ولا حرمة لأنفسهم حتى يقتلون فكيف لأموالهم ولا بأس برميهم بالنبال وإن علموا أن فيهم مسلمين من الأسارى والتجار لما فيه من الضرورة إذ حصون الكفرة قلما تخلو من مسلم أسير أو تاجر).اهـ [بدائع الصنائع (7/ 100) .]
وقال المرغيناني رحمه الله: (ولا بأس برميهم، وإن كان فيهم مسلم أسير أو تاجر، لأن في الرمي دفع الضرر العام بالذب عن بيضة الإسلام وقتل الأسير والتاجر ضرر خاص ولأنه قلما يخلو حصن من مسلم فلو امتنع باعتباره لانسد بابه وإن تترسوا بصبيان المسلمين أو بالأسارى لم يكفوا عن رميهم لما بينا ويقصدون بالرمي الكفار لأنه إن تعذر التمييز فعلا فلقد أمكن قصدا والطاعة بحسب الطاقة وما أصابوه منهم لا دية عليهم ولا كفارة لأن الجهاد فرض والغرامات لا تقرن بالفروض، ... ) . [الهداية شرح البداية (2/ 137) .]
وقال الجصاص رحمه الله في أحكام القرآن: (باب: رمي حصون المشركين وفيهم أطفال المسلمين وأسراهم. قال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد والثوري لا بأس برمي حصون المشركين، وإن كان فيها أسارى وأطفال من المسلمين ولا بأس بأن يحرقوا الحصون ويقصدوا به المشركين وكذلك إن تترس الكفار بأطفال المسلمين رمي المشركون وإن أصابوا أحدا من المسلمين في ذلك فلا دية ولا كفارة. اهـ [أحكام القرآن(5/ 273) .]