ولكن في بعض الأحيان تنفّذ العملية وبسبب قوتها قد يحصل ضررٌ لبعض المسلمين أو يقتل فيها من المسلمين بغير قصد أو عدم العلم بوجودهم في موقع العملية، مع أنّ المجاهدين لا يألون جهدًا في تحذير المسلمين من القرب من أماكن تواجد الأعداء، خاصة وأن العمليات الاستشهادية تعتمد على السرعة وأخذ العدو على غِرّة.
فمن قُتل من المسلمين في بعض هذه العمليات فإنه بإذن الله شهيد، والمجاهدون لا يمكن أن يوقفوا جميع عملياتهم إذا حصل في بعضها نوع ضرر لأنّ العدو إذا رأى أن المجاهدين يوقفون كل عملية بمجرد وجود بعض المدنيين فإنه سوف يتخذ في كل مكان يتمركز فيه عددًا من المسلمين ثمّ يوغل بعد ذلك في إجرامه، ولكن إذا علم أنّ مثل ذلك لا يفيده وأن ضربات المجاهدين لن تتوقف بمثل هذا سعى لطريقة أخرى تحميه من ضربات المجاهدين.
وإذا كان العلماء أجازوا قتل الترس من المسلمين إذا خاف المسلمون من فوات مصلحة أعظم أو حصول مفسدة أكبر وذلك في جهاد الطلب فلأن يجوز ذلك في جهاد الدفع الذي هو ضرورة من باب أولى.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"وكذلك مسألة التترس التي ذكرها الفقهاء فإنَّ الجهاد هو دفع فتنة الكفر، فيحصل فيها من المضرَّة ما هو دونها، ولهذا اتّفق الفقهاء على أنَّه متى لم يمكن دفع الضرر عن المسلمين إلاَّ بما يفضي إلى قتل أولئك المتترس بهم جاز ذلك، وإن لم يخف الضرر لكن لم يمكن الجهاد إلا بما يفضي إلى قتلهم ففيه قولان، ومن يسوّغ ذلك يقول: قتلهم لأجل مصلحة الجهاد مثل قتل المسلمين المقاتلين يكونون شهداء .." (20/ 52 - 53)
وقال في موضعٍ آخر:"وقد اتفق العلماء على أنَّ جيش الكفار إذا تترسوا بمن عندهم من أسرى المسلمين وخيف على المسلمين الضرر إذا لم يقاتلوا، فإنهم يقاتلون وان أفضى ذلك إلى قتل المسلمين الذين تترسوا بهم، وإن لم يخف على المسلمين ففي جواز القتال المفضي إلى قتل هؤلاء المسلمين قولان مشهوران للعلماء. وهؤلاء المسلمون إذا قتلوا كانوا شهداء، ولا يترك الجهاد الواجب لأجل من يقتل شهيدًا، فإنَّ المسلمين إذا قاتلوا الكفار فمن قتل من المسلمين يكون شهيدًا، ومن قتل - وهو في الباطن لا يستحق القتل - لأجل مصلحة الإسلام كان شهيدًا، وقد ثبت في الصحيحين عن النبي أنَّه قال:"يغزو هذا البيت جيش من الناس فبينما هم ببيداء من الأرض إذ خسف بهم فقيل يا رسول الله وفيهم المكره فقال يبعثون على نياتهم"فإذا كان العذاب الذي ينزله الله بالجيش الذي يغزو المسلمين ينزله بالمكره وغير المكره فكيف بالعذاب الذي يعذبهم الله به أو بأيدي المؤمنين؟! كما قال تعالى: (قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا) ونحن لا نعلم المكره ولا نقدر على التمييز، فإذا قتلناهم بأمر الله كنا في ذلك مأجورين ومعذورين، وكانوا هم على نياتهم فمن كان مكرهًا لا يستطيع الامتناع فانه يحشر على نيته يوم القيامة، فإذا قتل لأجل قيام الدين لم يكن ذلك بأعظم ممن يقتل من عسكر المسلمين". ا. هـ مجموع الفتاوى (28/ 547) .