فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 575

قال المكفِّر: الدليل الأول قوله تعالى {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}

وجه الدلالة: أن الله حكم على الذي لم يحكم بما أنزل الله بأنه الكافر فرتَّب وصفه بالكافر على مجرد الحكم بغير ما أنزل الله دون نظرٍ لاعتقاد فدلَّ على أن علَّة هذا الحكم كونه لم يحكم بما أنزل فحسب ولا يصحُّ لك أن تحمل وصف الكافر هنا على الكفر الأصغر لأن الحافظ الإمام ابن تيمية حكى بعد الاستقراء لنصوص الشريعة أن الكفر المعرَّف لا ينصرف إلا إلى الأكبر [1] ، ثم ذكر هو وغيره أن الأصل في الكفر إذا أطلق انصرف إلى الأكبر إلا بدليل إذ الأصل في اللفظ إذا أُطلق في الكتاب والسنة انصرف إلى مسماه المطلق وحقيقته المطلقة وكماله [2] .

قال المفسِّق: لقد ذكرت في ثنايا كلامك حججًا ثلاثًا:

1 -أن الشارع علَّق الحكم بمجرد التحكيم دون النظر للاعتقاد.

2 -أن اللفظ إذا أُطلق في الشريعة انصرف إلى كماله إلا بدليل.

3 -أن ابن تيمية استقرأ لفظ الكفر في الشريعة وتبين له أنها لا تنصرف إلا إلى الأكبر دون الأصغر.

والجواب على الحجة الأولى يكون بما يلي:

أ-لا أخالفك أن الشارع علّق الحكم بوصف (الكافر) على مجرد التحكيم بغير ما أنزل الله لكنني أقول بأن الكفر هنا أصغر لا أكبر للأدلة التالية:

1 -أن الأخذ بعموم الآية يلزم منه تكفير المسلمين في أي حادثةٍ لم يعدلوا فيها بين اثنين حتى الأب مع أبنائه بل والرجل في نفسه إذا عصى ربه؛ لأن واقعه أنه لما عصى ربه لم يحكم بما أنزل الله في نفسه [3] ووجه هذا اللازم أن لفظة (مَنْ) عامةٌ تشمل كل عالم [4] (وما) عامة تشمل كل ما ليس بعالم ومن لم يعدل بين بنيه داخلٌ في عموم (من) ومسألته التي لم يعدل فيها داخلةٌ في عموم (ما) .

فالنصوص الدالة على عدم كفر مثل هذا وكل عاصٍ تكون صارفةً للآية من الأكبر إلى الأصغر لأجل هذا أجمع العلماء على عدم الأخذ بعموم هذه الآية، إذ الخوارج هم المتمسكون بعمومها في تكفير أهل المعاصي والذنوب ولم يلتفتوا إلى الصوارف من الأدلة الأخرى.

(1) انظر الاقتضاء (1/ 211) وشرح العمدة قسم الصلاة (82) .

(2) انظر مجموع الفتاوى (7/ 668) والرسائل والمسائل النجدية (3/ 7) وشرح العمدة قسم الصلاة لابن تيمية ص 82.

(3) قال ابن حزم في الفصل (3/ 234) : فإن الله عز وجل قال: ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون، ومن لم يحكم بما أنز الله فأولئك هم الفاسقون، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون. فليلزم المعتزلة أن يصرحوا بكفر كل عاص وظالم وفاسق لأن كل عامل بالمعصية فلم يحكم بما أنزل الله ا. هـ

(4) درج كثير من العلماء أن يعبر بكلمة (عاقل) بدل (عالم) لكن عالم أدق لأن (مَنْ) أطلقت على الله، فالله يوصف بالعلم ولا يوصف بالعقل. قال الخطابي في كتاب شأن الدعاء ص113:وفي أسمائه العليم ومن صفته العلم، فلا يجوز قياسًا عليه أن يسمى عارفًا لما تقتضيه المعرفة من تقديم الأسباب التي بها يتوصل إلى علم الشيء وكذلك لا يوصف بالعاقل .. ا. هـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت