فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 575

وقال ابن جرير: يقول تعالى ذكره أم لهؤلاء المشركين بالله شركاء في شركهم وضلالتهم شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله يقول ابتدعوا لهم من الدين ما لم يُبحِ الله لهم ابتداعه. ا. هـ [1] لذا درج جماعةٌ من العلماء [2] على ذكر الآية من الأدلة على تحريم البدع - التي هي تشريع أمور جديدة يزعم صاحبها أنها من الدين ليُتعبد الله بها - ومن هذا يتبين خطأ المستدلين بالآية على تكفير من شرع أحكامًا غير حكم الله ووجه خطأ استدلالهم أن الآية كفرت من جمع بين وصف التشريع والزعم أنه من الدين وهذا هو المسمى بالتبديل - كما سيأتي- أما التشريع وحده دون زعم أنه من الدين فلم تحكِ الآية كفره فتنبه.

3 -أن يسوِّي الحاكم حكم غير الله بحكم الله جل جلاله: وهذا كفرٌ مخرجٌ من الملّة كما قال تعالى {فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ} وقال {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء ٌ} وقال {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} وقال {فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا} .

4 -أن يفضِّل حكم غير الله على حكم الله سبحانه وتعالى: وهذا كفرٌ مخرجٌ من الملَّة إذ هو أولى من الذي قبله فهو تكذيبٌ لكتاب الله سبحانه وتعالى قال الله تعالى {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} .

5 -أن يحكم بغير ما أنزل الله على أنه حكم لله، وهذا كفر أكبر بالإجماع قال تعالى {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَنْ بِهِ اللَّهُ} فجمعوا بين التشريع وزعمه من الدين فهذا يسمى تبديلًا.

وبعد تحرير ما أظنُّه مورد النزاع انتقل إلى ما كثُر فيه الخلاف وهو إذا حكم الحاكم بغير ما أنزل الله هوىً وشهوةً بأن يضع قوانين من نفسه أو يتبنَّى قوانين وضعت قبله مع اعترافه بالعصيان ومخالفة أمر الرحمن سبحانه فهل مثل هذا الحاكم يصير كافرًا مرتدًا عن الدين؟ سأورد المسألة على وجه المناظرة ليسهل تصورها من حيث الدليل ومن لا يكفر في هذه المسألة أصفه (بالمفسِّق) ومن يكفِّر أصفه (بالمكفِّر) .

قال المفسِّق: إن الأصل في المعاصي والذنوب عدم الكفر إلا بدليل شرعي خاص، فإن ذكرت دليلًا يدل على التكفير ولم أستطع الإجابة عليه، فليس لي إلا المصير إلى قولك ويكفيك في إثبات الكفر دليلٌ واحدٌ صحيحٌ من جهة الثبوت والدلالة، وإن لم تصح أدلتك إما من جهة الثبوت أو من جهة الدلالة، فإنه يلزمك الرجوع إلى الأصل وهو عدم التكفير مع اتفاقنا أنه واقعٌ في ذنبٍ خطير؛ حسب هذا الذنب خطورة تسمية الشريعة صاحبه كافرًا تنازع الناس في إخراجه من الملة.

قال المكفِّر: عندي أدلةٌ كثيرة متنوعةٌ من الكتاب والسنة والإجماع والعقل دالةٌ على أن الكفر أكبر ولكن لتكن طريقتنا في المباحثة دراسة كلِّ دليلٍ وحده، فإن سلَّمتَ بصحة دلالة دليلٍ واحدٍ من حيث الثبوت والدلالة فليتوقف البحث لأن المقصود قد حصل. وقد ذكرتَ أن دليلًا واحدًا يكفي لإثبات ما أريد.

قال المفسِّق: هات الأدلة مستعينًا بالله.

(1) التفسير (25/ 14) .

(2) كما فعله ابن تيمية في مواضع منها في أوائل كتاب الاستقامة (1/ 5) والاقتضاء (2/ 582) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت