قال ممليه عفا الله عنه: والضرورة التي ترد في بعض كلام الفقهاء المجيزين الاستعانة بالكافر هي الضرورة التي تتعلق بالدين ومصلحة الإسلام والمسلمين. أما الضرورة التي تتعلق بحكم الحاكم وحماية كرسيه وسلطته فإنها لا تبيح الاستعانة بالكفار حتى عند القائلين بجواز الاستعانة بهم للضرورة.
قال الشيخ سليمان بن سحمان رحمه الله تعليقًا على كلمة الضرورة التي جاءت في كلام الشيخ عبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن:"غلط صاحب الرسالة - يقصد بصاحب الرسالة من رد عليه الشيخ عبداللطيف - في معرفة الضرورة فظنها عائدة إلى مصلحة ولي الأمر من رياسته وسلطانه وليس الأمر كما زعم ظنه بل هي ضرورة الدين وحاجته إلى من يعين عليه وتصلح به مصلحته كما صرح به من قال بالجواز وقد تقدم ما فيه والله أعلم"اهـ.
ومن الأئمة الكبار الذين ذهبوا إلى عدم جواز الاستعانة بالكفار في جميع الأحوال الشيخ ابن مفلح في الآداب الشرعية حيث ذكر كلامًا طويلًا في هذا الباب ضمنه مقتطفات من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية من كتاب اقتضاء الصراط المستقيم حيث قال: فصل في الاستعانة بأهل الذمة. قال بعض أصحابنا: ويكره أن يستعين مسلم بذمي في شيء من أمور المسلمين مثل كتابة وعمالة وجباية خراج وقسمة فيء وغنيمة وحفظ ذلك ونقله إلا ضرورة قال في الرعاية الكبرى ولا يكون بوابًا ولا جلادًا ونحوها. وعن أبي موسى الأشعري أنه اتخذ كاتبًا نصرانيًا فانتهره عمر بن الخطاب.
وعن عمر أيضًا أنه قال: لا ترفعوهم إذ وضعهم الله، ولا تعزوهم إذ أذلهم الله. ولأن في الاستعانة بهم في ذلك من المفسدة ما لا يخفى وهي ما يلزم عادة أو ما يفضى إليه من تصديرهم في المجالس، والقيام لهم وجلوسهم فوق المسلمين وابتدائهم بالسلام أو ما في معناه ورده عليهم على غير الوجه الشرعي وأكلهم من أموال المسلمين ما أمكنهم لخيانتهم واعتقادهم حلها وغير ذلك. ولأنه إذا منع من الاستعانة بهم في الجهاد مع حسن رأيهم في المسلمين والأمن منهم وقوة المسلمين على المجموع لاسيما مع الحاجة إليهم على قول فهذا في معناه وأولى للزومه وإفضائه إلى ما تقدم من المحرمات بخلاف هذا، وبهذا يظهر التحريم هنا وإن لم تحرم الاستعانة بهم على القتال، وقد نهى الله سبحانه وتعالى المؤمنين أن يتخذوا الكفار بطانة لهم فقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم} . وبطانة الرجل تشبيهه ببطانة الثوب الذي يلي بطنه لأنهم يستبطنون أمره ويطلعون عليه بخلاف غيرهم، وقوله {من دونكم} أي من غير أهل ملتكم. ثم قال تعالى: {لا يألونكم خبالًا} . أي لا يبقون غاية في إلقائكم فيما يضركم والخبال الشر والفساد، {ودوا ما عنتم} . أي يودون ما يشق عليكم من الضر والشر والهلاك، والعنت المشقة يقال فلان يُعنِتُ فلانًا أي يقصد إدخال المشقة والأذى عليه. {قد بدت البغضاء من أفواههم} . قيل بالشتم والوقيعة في المسلمين ومخالفة دينكم، وقيل باطلاع المشركين على أسرار المسلمين. {وما تخفي صدورهم أكبر} أي أعظم، {قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون} .