ثانيًا: أنه ورد ما يعارضه فقد روى الطحاوي والحاكم: هذا الحديث من طريق الفضل ابن موسى السيناني شيخ إسحاق بن راهويه قال الطحاوي حدثنا عبيد بن رجال قال حدثنا محمد بن عمرو عن سعد ابن المنذر بن أبي حميد الساعدي عن جده الساعدي قال: خرج رسول الله (يوم أحد حتى إذا خلف ثنية الوداع إذا هو بكتيبة خشناء فقال: من هؤلاء فقالوا بنو قينقاع وهم رهط عبدالله بن سلام وقوم عبدالله بن أبي بن سلول فقال: أسلموا. فأبوا قال: قل لهم فليرجعوا فإنا لا نستعين بالمشركين على المشركين) .
قال ممليه عفا الله عنه: والعجب ممن ذهب من العلماء إلى جواز الاستعانة بالكفار معتمدًا في ذلك على هذه الآثار والمراسيل الضعيفة والمضطربة ويعرض عن ما خُرِّج في صحيح مسلم والسنن ومسند الإمام أحمد وغيره من رفضه (الاستعانة بالمشركين، إننا إذا سلكنا طريق الترجيح وجدنا أن حديث عائشة رضي الله عنها الذي رواه مسلم في صحيحه وما وافقه من آثار أخرى أرجح يقينًا من تلك المراسيل المضطربة السند والمتن كما أسلفنا.
قال ابن عبدالبر:"وأما شهود صفوان بن أمية مع رسول الله حنينًا والطائف وهو كافر فإن مالكًا قال لم يكن ذلك بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال مالك: ولا أرى أن يستعين بالمشركين على قتال المشركين إلا أن يكونوا خدمًا أو نوتيه."
وقد ناقش الشيخ عبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن أدلة القائلين بالجواز فتكلم على مرسل الزهري وبين عدم صحة دلالته على المسألة فقال رحمه الله ما نصه:"أما مسألة الاستنصار بهم فمسألة خلافية والصحيح الذي عليه المحققون منع ذلك مطلقًا وحجتهم حديث عائشة وهو متفق عليه، وحديث عبدالرحمن بن حبيب وهو حديث صحيح مرفوع اطلبهما تجدهما فيما عندك من النصوص والقائل بالجواز احتج بمرسل الزهري وقد عرفت ما في المراسيل إذا عارضت كتابًا أو سنة ثم القائل به قد شرط أن يكون فيه نصح للمسلمين ونفع لهم، وهذه القضية فيها هلاكهم ودمارهم، وشَرَطَ أيضًا أن لا يكون للمشركين صولة ودولة يخشى منها، وهذا مبطل لقوله في هذه القضية واشترط كذلك ألا يكون له دخل في رأي ولا مشورة بخلاف ما هنا كل هذا ذكره الفقهاء وشراح الحديث ونقله في شرح المنتقى وضعف مرسل الزهري جدًا وكل هذا في قتال المشرك للمشرك مع أهل الإسلام."
قال أيضًا ما نصه:"الشبهة التي تمسَّك بها من قال بجواز الاستعانة هي ما ذكرها بعض الفقهاء من جواز الاستعانة بالمشرك عند الضرورة وهو قول ضعيف مردود مبني على آثار مرسلة تردها النصوص القرآنية، والأحاديث الصحيحة الصريحة النبوية، ثم القول بها على ضعفها مشروط بشروط نبه عليها شراح الحديث ونقل الشوكاني منها طرفًا في المنتقى، منها: أمن الضرر والمفسدة وألا يكون لهم شوكة وصولة وأن لا يدخلوا في الرأي والمشورة وأيضًا ففرضها في الانتصار بالمشرك على المشرك، وأما الانتصار بالمشرك على الباغي عند الضرورة فهو قول فاسد لا أثر فيه ولا دليل عليه إلا أن يكون محض القياس وبطلانه أظهر شيء في الفرق بين الأصل والفرع وعدم الاجتماع في مناط الحكم"اهـ.