فهرس الكتاب

الصفحة 445 من 575

إظهار شعارهم في دار الإسلام أو تقوية أيديهم بوجه من الوجوه إلا رجل منافق أو له غرض فاسد أو في غاية الجهل لا يعرف السياسة الشرعية التي تنصر سلطان المسلمين على أعدائه وأعداء الدين. وليعتبر المعتبر بسيرة نور الدين وصلاح الدين ثم العادل كيف مكنهم الله وأيدهم وفتح لهم البلاد وأذل لهم الأعداء لما قاموا من ذلك بما قاموا وليعتبر بسيرة من والي النصارى كيف أذله وكبته إلى أن قال: وثبت في الصحيح عن النبي (أن مشركًا لحقه ليقاتل معه فقال له:"إني لا استعين بمشرك"، وكما أن استخدام الجند المجاهدين إنما يصلح إذا كانوا مؤمنين فكذلك الذين يعاونون الجند في أموالهم وأعمالهم إلى أن قال: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم} . وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم} .

وذكر سبب نزولها ثم قال وقد عرف أهل الخبرة أن أهل الذمة من اليهود والنصارى والمنافقين يكاتبون أهل دينهم بأخبار المسلمين وربما يطلعون على ذلك من أسرارهم وعوراتهم وغير ذلك.

وقد قيل:

كل العداوات قد ترجى مودتها ... إلا عداوة من عاداك في الدين

انتهى كلامه.

وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"لا تستضيئوا بنار المشركين ولا تنقشوا في خواتيمكم عربيًا"رواه الإمام أحمد والنسائي وعبد ابن حميد وغيرهم، ومعنى قوله: (ولا تستضيئوا بنار المشركين"أي لا تستشيروهم ولا تأخذوا آراءهم. جعل الضوء مِثْلا الرأي عند الحيرة هذا معنى قول الحسن رواه عبد بن حميد، واحتج الحسن بقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم} . وكذا فسره غيره، وفسر الحسن:"ولا تنقشوا في خواتيمكم عربيًا"أي لا تنقشوا فيها محمدًا وفسره غيره محمد رسول الله لأنه كان نقش خاتم النبي، وفي حديث عمر:"لا تنقشوا في خواتيمكم العربية"وعن ابن عمر أنه كان يكره أن ينقش في الخاتم القرآن."

وقال ابن عبد البر قال ابن القاسم سئل مالك عن النصراني يستكتب؟ قال لا أرى ذلك، وذلك أن الكاتب يستشار، فيستشار النصراني في أمر المسلمين؟ ما يعجبني أن يستكتب، وذكر ابن عبدالبر أنه استأذن على المأمون بعض شيوخ الفقهاء فأذن له، فلما دخل عليه رأى بين يديه رجلًا يهوديًا كاتبًا له عنده منزله وقربه لقيامه بما يصرفه فيه ويتولاه من خدمته فلما رآه الفقيه قال: وقد كان المأمون أومأ إليه بالجلوس، فقال: أتأذن لي يا أمير المؤمنين في إنشاد بيت حضر قبل أن أجلس؟ قال نعم، فأنشده:

إن الذي شُرِّفتَ من أجله ... يزعم هذا أنه كاذب

وأشار إلى اليهودي، فخجل المأمون ووجم ثم أمر حاجبه بإخراج اليهودي مسحوبًا على وجهه فأنفذ عهدًا بإطراحه وإبعاده وأن لا يستعان بأحد من أهل الذمة في شيء من أعماله. قال ابن عبدالبر كيف يؤتمن على سر، أو يوثق به في أمر، ومن وقع في القرآن، وكذَّب النبي عليه السلام؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت