وقد أمر الناصر لدين الله أن لا يستخدم في الديوان بأحد من أهل الذمة، فكتب إليه عن أبي منصور بن رطينًا النصراني إنا لا نجد كاتبًا يقوم مقامه، فقال نقدِّر أن رطينًا مات هل كان يتعطل الديوان؟ فحينئذ أسلم وحسن إسلامه اهـ.
الاستعانة بالكفار على الدولة المسلمة
حكم الاستعانة بالكفار على الدولة المسلمة أو الطائفة المسلمة كأهل البغي.
أهل البغي طائفة من المسلمين تخرج على الإمام الشرعي بتأويل سائغ ولا يكونون كفارًا بمجرد خروجهم لأنهم ما خرجوا إلا بتأويل سائغ بل ولا يكونون فساقًا عند بعض العلماء.
قال الإمام تقي الدين ابن تيمية رحمه الله ما نصه:"وأما إذا كان الباغي مجتهدًا ومتأولًا ولم يتبين له أنه باغ بل اعتقد أنه على الحق وإن كان مخطئًا في اعتقاده. لم تكن تسميته (باغيًا) موجبة لأثمه، فضلًا عن أن توجب فسقه. والذين يقولون بقتال البغاة المتأولين يقولون: مع الأمر بقتالهم قتالنا لهم لدفع ضرر بغيهم لا عقوبة لهم بل للمنع من العدوان ويقولون إنهم باقون على العدالة لا يفسقون"اهـ.
ومما استدل به القائلون بعدم تفسيق أهل البغي قوله تعالى {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون} . وجه الدلالة من الآيات أنه قال {إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم} .
ثم إن البغاة إذا خرجوا على الإمام والحالة هذه وجب عليه أن يدعوهم ويسألهم ما ينقمون منه فإن ذكروا مظلمة أزالها وإن ذكروا شبهة كشفها، فإن استمروا في الخروج بعد ذلك استعان بالله وقاتلهم، ولا يجوز له أن يستعين بالكفار على قتالهم كما لا يجوز الاستعانة بالكفار على قتال الدولة المسلمة التي حصل بينه وبين حاكمها نزاع أو خلاف لأن في الاستعانة بالكافرين تسليطًا لهم على المسلمين ولا يجوز لأحد أن يسلط كافرًا على مسلم {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلًا} .
وقد اتفق من يعتد بقوله من علماء الأمة وفقهائها على أنه لا يجوز للحاكم المسلم أن يستعين بالدولة الكافرة على المسلمين بأي حال من الأحوال وذلك للأمور التالية:
1 -ما قدمناه من النصوص من الكتاب والسنة وأقوال العلماء من منع الاستعانة بالكفار على الكفار فإن كان هذا هو الراجح - أعني منع استعانة المسلمين بالكفار على الدولة الكافرة فمن باب أولى منع الاستعانة بهم على الدولة المسلمة.
2 -الكفار أعداء للمسلمين عداوة عقيدة ودين، ومعلوم أن الكفار إذا مكنوا من قتال المسلمين انتقموا منهم واستأصلوا شأفتهم لما يضمرون لهم من البغضاء والعداء. قال تعالى: إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداءًا ويبسطوا