فهرس الكتاب

الصفحة 453 من 575

هكذا قيّدت الشريعة منصب"ولي الأمر"، ولم تجعله بلا شروط كما هو لسان حال المفترين على الإسلام، هذه الأيام، فلمْ تجعله بحيث يكون كلّ من تسلّط على رقاب المسلمين، فله الحق المطلق أن يفعل ما شاء، وكلّ اعتراض عليه فتنة هي اشد من فتنة علو الكفار على بلاد الإسلام، فهذا من أبطل الباطل!!

بينما ـ من جهة أخرى ـ قد خففت الشريعة المطهّرة شروط الجهاد، تشوّفًا لمصالحه الكثيرة التي يثمرها، ولهذا أباحته مع كل بر وفاجر، حتى أباحت ما يذكر في مسالة التترس ونحوها مما يوسع فيه الفقهاء الباب مراعاة لتحقيق مصالح الجهاد العظيمة النفع على الأمة، وأباحت فيه الكذب، والخيلاء، ولبس الحرير، ومنعت إقامة الحدود في الجهاد، بينما كان منعها في غيره من أعظم الجرائم التي يرتكبها الإمام، بل هي سبب الهلاك، بل إقامتها على الضعيف دون الشريف هو سبب الهلاك كما في الحديث"إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد".

كما جعلت الشريعة، جهاد الدفع بلا شروط أصلا، حتى إن المرأة لها أن تنفر فيه، وجعلت جهاد الطلب قائما لا يسقطه عدم قيام الإمام به كما سيأتي بيانه.

كل ذلك تحقيقا للقاعدة القرآنية العظيمة: (وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم للتهلكة) ومعلوم أن معناها، أنفقوا أرواحكم وأموالكم في الجهاد، وإلا فسوف تكون الهلكة عليكم، كما دل على هذا المعنى الحق، نصوص كثيرة، والواقع، وسنن الله الكونية التي أقام عليها الحياة الدنيا.

أما هؤلاء المنهزمون، فقد عكسوا الأمر، فقد أزالوا كل الشروط التي وضعتها الشريعة لمن يتولى أمر المسلمين، وقيّدوا الجهاد بشروط ما أنزل الله بها من سلطان.

وبعد هذا، فلا يخفى أن ذلك إنما وقع منهم، بسبب داء الانهزامية الذي استولى عليهم، وتحت وطأة الشعور بهذا الرقّ العصري، رقّ الأنظمة المستبدة التي غدت تفرض على العالم والمفكّر، حتى ما ينطق به لسانه، وفق ما يطلبه أعداء الإسلام ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

بينما تجد الكفار الذين حلّوا ديار الإسلام غازين، واستباحوها مفسدين، وأعلنوا فيه الكفر المستبين، تجدهم قد أقاموا هذين الأمرين بما يحقق لهم الظهور والاستعلاء.

فقد وضعوا لمن يتولّى عليهم شروطا، تضمن تحققيه لمصالح شعوبهم، وقوة دولهم، فإن حاد عنها، استبدلوا غيره به.

أما حروبهم وأسباب قوتهم العسكريّة، فقد خففوا من شروطها، ليضمنوا تحقيقها لاستعلائهم، فإن عارضت حروبهم الأمم المتحدة المزعومة، نبذوها وراء ظهورهم، ومضوا في الحرب، وإن اقتضت حربهم إبادة الأبرياء، لم يلتفتوا إلى إهراق دماءهم ولو أهرقوها أنهارا تجري، كما فعلوا في العراق، وإن اقتضت أن يكذبوا كذبوا وزوّرا الحقائق، وإن اقتضت أن يمتلكوا السلاح النووي المدمّر، أو يملئوا الأرض من الإشعاعات المضرة، فلا يبالون بما تأتي به من دمار للبشرية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت