وهذا وإن كان لا يحدث دائما بأسلوب مباشر، غير أنه يمر عبر مراحل تنتهي بتوجيه الفتوى لصالح السياسة الأمريكية المفروضة على دولنا شاءت أم أبت.
وكأنّك ترى لو كان الروس هم الذين احتلوا العراق أو أي دولة أخرى تنافس أمريكا، كأنك ترى المتحمّسين اليوم للفتاوى المخذلة لإخوانهم المجاهدين في العراق، متجاوزين كل المعوقات، متعامين عن كل شبهة، يفتون بلا خوف من سلطان، ولا جزع من جلاد أو سجان، بوجوب الجهاد كما كانوا يفتون أيام الجهاد الأفغاني، في سبيل إرضاء السياسة الأمريكية، ولأصبح الجهاد في العراق أعظم من كل جهاد، والمحرضون عليه جهابذة العلماء، ليسوا خوارج ولا بغاة.
فسبحانك اللهم، سبحانك مقلب القلوب والأبصار، ثبت قلوبنا على دينك، وثبت عقولنا، ونجنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضنا إليك غير مفتونين"إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فاغفرنا لنا وارحمنا وأنت غير الغافرين."
هذا وينبغي أن يعلم أن ما ينتشر هذه الأيام من إضافة شروط للجهاد، ما أنزل الله بها من سلطان، ولا دل عليها سنة ولا قرآن، سببه هذا الانهزام الذي يملأ أرجاء صدور المنهزمين في حالة الغثائية التي تعيشها الأمة المستوليّه عليها أمم الكفر، وأولياؤهم.
وإن تعجبْ فعجبٌ أن هؤلاء المنهزمين عكسوا الأمر الذي دلت عليه شريعة العزة، لتحصيل أسباب العزة، بينما أقامه أعداء الإسلام!
فالشريعة الإسلامية وضعت شروطا لمن يتولّى أمر المسلمين , وقيّدت سلطانه، وجعلته نائبا عن الأمة يقوم بأمرين أساسين:
أحدهما: إقامة الشرع في ديار الإسلام، إذ هو لم يُنصب إماما إلا لهذا الغرض العظيم، كما قال تعالى"الذين إن مكّنّاهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر"، فذكر قيامهم بالدين في أنفسهم بالصلاة التي هي رأس العبادات البدنيّة، والزكاة التي هي رأس العبادات الماليّة، وإقامتهم للدين في بلادهم وأرضهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
والثاني: حماية أرض المسلمين من دخول جيوش الكفار إليها، بإقامة الثغور وهي كلمة عامة تشمل امتلاك سلاح الردع الذي يخيف الكفار من الطمع في بلاد الإسلام، كما دل على ذلك قوله تعالى (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم) ، وإقامة جهاد الطلب الذي يسمّيه الكفّار اليوم الحرب الوقائيّة، وتعني منع أي قوة تطلب الاستعلاء في الأرض غيرهم، لتبقى لهم الهيمنة على جميع الأمم.