فإن قيل: إنّ هؤلاء الذين يدعون غير الله يعتقدون أن فعلهم جائز وأنه ليس شركًا.
فالجواب: أنّ كفار قريش وغيرهم من مشركي العرب كانوا يعتقدون أن فعلهم جائز وأن ما يفعلونه من الشرك هو من باب تعظيم الله، وكانوا يعتقدون أن فعلهم ليس بشرك وأنهم لم يُسوّوا المخلوق بالخالق، وكانوا يعتقدون أن الخالق والرازق والمدبر هو الله وحده، ومع ذلك سماهم الله مشركين وكافرين.
فإن قيل: لا نحكم عليهم بالكفر ولا نسميهم مشركين حتى نقيم عليهم الحجة.
فالجواب: أنّ الله تعالى سمى كفار قريش مشركين قبل قيام الحجة عليهم لأنّ حقيقة فعلهم هو الشرك، فكون الحجة لم تقم عليهم لا يعني ذلك عدم وصفهم بحقيقة فعلهم وإنما عدم قيام الحجة يمنع من تعذيبهم حتى تقام عليهم الحجة.
وقد وصف الله سبحانه ملكة سبأ وقومها بالكفر وسماهم كافرين قبل قيام الحجة عليهم كما قال تعالى: (وصدّها ما كانت تعبد من دون الله إنها كانت من قوم كافرين) .
قال ابن جرير الطبري رحمه الله: يقول أي هذه المرأة كانت كافرة من قوم كافرين.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بعد كلامٍ له: أخبر الله عن هود عليه السلام أنه قال لقومه: (اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إن أنتم إلا مفترون.فجعلهم مفترين قبل أن يحكم بحكم يخالفونه لكونهم جعلوا مع الله إلها آخر فاسم المشرك ثبت قبل الرسالة، فإنه يشرك بربه ويعدل به ويجعل معه آلهة أخرى ويجعل له أندادا قبل الرسول ويثبت أن هذه الأسماء مقدم عليها، وكذلك اسم الجهل والجاهلية يقال: جاهلية وجاهلا قبل مجيء الرسول، وأما التعذيب فلا. [مجموع الفتاوى 20/ 37 - 38] .
وقال ابن القيم رحمه الله: والإسلام هو توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له والإيمان بما جاء به رسوله صلى الله عليه وسلم واتباعه فيما جاء به، فما لم يأت العبد بهذا فليس بمسلم وإن لم يكن كافرا معاندا فهو كافر جاهل.
وقال الشيخ عبد الله أبا بطين رحمه الله: (وجميع العلماء في كتب الفقه يذكرون أن من أشرك بالله كفر ولم يستثنوا الجاهل - إلى أن قال:- ويذكرون أنواعًا كثيرةً مجمعًا على كفر صاحبها ولم يفرقوا بين المعين وغيره ... .ثم نقل عن شيخ الإسلام رحمه الله في مسألة الوسائط قوله: فمن جعل الملائكة أو الأنبياء وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار مثل أن يسألهم غفران الذنوب وهداية القلوب وتفريج الكربات وسد الفاقات فهو كافر بإجماع المسلمين)
وخلاصة المسألة: أن الذين يدعون غير الله ويشركون به في أي نوع من أنواع العبادة هم في حقيقة فعلهم مشركون ونحكم عليهم بحقيقة فعلهم، وإن مات أحدهم على ذلك لم يجز الدعاء له ولا الصدقة عنه ولا يُصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولكن لا نقيم عليهم حدّ الردة ولا نجزم بحكمهم في الآخرة إلا بعد قيام الحجة عليهم.