قال المكفِّر: لقد أجبت على الحجة الأولى فما جوابك على الحجة الثانية؟
قال المفسِّق: إنك تجعل الأصل في الكفر أنه للأكبر إلا بدليل يصرفه عن ذلك، وقد ذكرتُ لك الدليل الصارف من الأكبر إلى الأصغر وهو فهم الصحابي أولًا.
وثانيًا كل دليل يدل على عدم كفر من ظلم بين اثنين ولم يعدل بل ومن ظلم مطلقًا غيره وأيضًا ما ذكر ابن عبد البر من الإجماع على أن الجور في الحكم ليس كفرًا بل كبيرةً من كبائر الذنوب.
قال المكفِّر: ما جوابك على الحجة الثالثة؟
قال المفسِّق: الجواب من وجهين:
أ - أن استقراء ابن تيمية كان على لفظة (الكفر) وهي مصدرٌ والذي ورد في الآية ليس مصدرًا وإنما اسم فاعل وفرق بينهما إذ المصدر يدل على الحدث وحده أما اسم الفاعل فهو يدل على الحدث والفاعل [1] أفاده بمعناه العلَّامة محمد بن صالح العثيمين [2] .
ومما يدل على أن استقراءه راجع إلى المصدر دون اسم الفاعل أنه هو نفسه جعل الآية من الكفر الأصغر قال - رحمه الله:"وإذا كان من قول السلف: إن الإنسان يكون فيه إيمان ونفاق، فكذلك في قولهم: إنه يكون فيه إيمان وكفر، ليس هو الكفر الذي ينقل عن الملّة، كما قال ابن عباس وأصحابه في قوله تعالى {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} قالوا: كفروا كفرًا لا ينقل عن الملة، وقد أتبعهم على ذلك أحمد بن حنبل وغيره من أئمة السنة ا. هـ [3] ... ."
ب - على فرض أن استقراء ابن تيمية يشمل اسم الفاعل فسُيقال إن استقراء ابن تيمية قاصر ناقص ليس تامًا لكون هذه الآية جاءت معرَّفةً وأريدَ بها الكفر الأصغر دون الأكبر لما سبق من الأدلة.
(2) قال: وأما القول الصحيح عن شيخ الإسلام فهو تفريقه - رحمه الله - بين الكفر المعرفة ب (ال) وبين"كفر"منكرًا، فأما الوصف فيصلح أن نقول فيه"هؤلاء كافرون"أو هؤلاء الكافرون"، بناء على ما اتصفوا به من الكفر الذي لا يخرج من الملة، ففرق بين أن يوصف الفعل، وأن يوصف الفاعل ا. هـ (فتاوى الأئمة في النوازل المدلهمة ص227."
(3) مجموع الفتاوى (7/ 312) وانظر فتح الباري لابن رجب (1/ 126)