فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 575

وبعد الإجابة على حججك الثلاث وإثبات أن الآية محمولةٌ على الكفر الأصغر ألفت نظرك - يا صاحبي - إلى أن الآية قد يُراد بها الكفر الأكبر وذلك في حق من بدل حكم الله بحكم غيره وبعض الناس لا يعرف معنى كلمة بدل فيظنها تشمل كل من حكم بغير حكم الله و كلمة بدَّل في كلام أهل العلم هو أن يضع حكمًا غير حكم الله زاعمًا انه حكم الله أما من وضع حكمًا غير حكم الله ولم يزعم أنه حكم الله فليس مبدلًا.

قال ابن العربي:"وهذا يختلف: إن حكم بما عنده على أنه من عند الله فهو تبديل له يوجب الكفر .. اهـ [1] "

وبمثله قال القرطبي [2] وإليه أشار الإمام ابن تيمية فقال: ولفظ الشرع يقال في عرف الناس على ثلاثة معان:"الشرع المنزل"وهو ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا يجب اتباعه، ومن خالفه وجبت عقوبته. والثاني"الشرع المؤول"وهو آراء العلماء المجتهدين فيها كمذهب مالك ونحوه. فهذا يسوغ اتباعه ولا يجب ولا يحرم، وليس لأحد أن يلزم عموم الناس به، ولا يمنع عموم الناس منه. والثالث"الشرع المبدل"وهو الكذب على الله ورسوله أو على الناس بشهادات الزور ونحوها، والظلم البين فمن قال إن هذا من شرع الله فقد كفر بلا نزاع. كمن قال: إن الدم والميتة حلال - ولو قال هذا مذهبي - ونحو ذلك ا. هـ [3]

فلاحظ أنه جعل الشرع المبدل الكذب على الله بزعم أنه من شرع الله لا تغيير الحكم مطلقًا.

وما رواه مسلم سببًا لنزول هذه الآية من حديث البراء بن عازب هو تبديلٌ إذ زعم اليهود أنهم يجدون حد الزنى في كتابهم التحميم والواقع أن حد الزنى في كتابهم الرجم لكنهم غيروه إلى التحميم مدعين أن التحميم حكم الله المنزل فالآية إما أن تحمل على الأصغر كما سبق أو على الأكبر في حق المبدل.

قال ابن تيمية:"والإنسان متى حلل الحرام المجمع عليه أو حرم الحلال المجمع عليه، أو بدّل الشرع المجمع عليه كان كافرًا مرتدًا باتفاق الفقهاء، وفي مثل هذا نزل قوله على أحد القولين {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} أي هو المستحل للحكم بغير ما أنزل الله ا. هـ [4] "

فائدة / كثيرًا ما يذكر أهل العلم في كلامهم لا سيما الإمام أحمد بن تيمية - رحمه الله - أن من لم يلتزم هذا فهو كافر. فظن بعضهم أنه يريد المداومة على ترك الواجب أو المداومة على فعل الحرام، ويسمون هذا غير ملتزم، وهذا الظن خاطئ، وخطوة من خطوات الشيطان ليجعلهم على فكر الخوارج في مرتكب الكبيرة، ورد هذا الظن من أوجه:

(1) أحكام القرآن (2/ 624) .

(2) التفسير (6/ 191) .

(4) مجموع الفتاوى (3/ 267) وانظر (7/ 70 - 71) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت