فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 575

قال المكفِّر: إنّك - يا أخي - أوردت كلام العلماء من الصحابة ومن بعدهم على أنّ هذا كفر أصغر وهؤلاء العلماء يتكلمون في واقع غير واقعنا إذ تنحية شرع الله كلية لم يوجد إلا مؤخرًا فلا يصح تنزيل كلامهم على واقعنا فتنبه.

قال المفسق: إذا كنت - يا أخي - لا ترى الاستدلال بالآية وكلام السلف على مسألتنا المطروحة لكونها حادثة، فكذلك لا يصح تمسكك بالآية {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُون َ} دليلًا على تكفير من وقع في هذه الأزمان المتأخرة من الحكم بغير ما أنزل الله بجعل قانون وضعي وهو الذي نبحثه فكن يقظًا، لأن هذه الآية بفهم الصحابة والتابعين حتى على قولك محمولة على من خالف في بعض الوقائع فهي لا تخرج عن الكفر الأصغر.

قال المكفِّر: عندي دليل ثانٍ وهو قوله تعالى {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ... }

وجه الدلالة / أن الأصل في النفي هنا أن ينصرف إلى أصل الإيمان فمن ثم يكون الحاكم بغير ما أنزل الله بمجرد تحكيمه كافرًا كفرًا أكبر لأن الإيمان قد نفي عنه. إلا أن يكون هناك دليل يدل على أن المنفي كمال الإيمان الواجب كقول رسول الله صلى الله عليه وسلم"لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين"متفق عليه من حديث أنس واللفظ لمسلم وأنا لا أعلم دليلًا يصرفه إلى كماله الواجب.

قال المفسِّق: جزاك الله خيرًا على هذا التأصيل القويم وعندي أكثر من دليل يدل على أن الإيمان المنفي هنا كماله الواجب لا أصله من ذلك:-

1/ سبب نزول الآية وهو ما رواه الشيخان عن عبد الله بن الزبير أن رجلًا من الأنصار خاصم الزبير عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في شراج الحرة ... إلخ، وفيه أن الأنصاري لم يرض بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فغضب ثم قال إن كان ابن عمتك ... إلخ، فقال ابن الزبير: والله إني لأحسب هذه الآية ما نزلت إلا في ذلك {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ ... }

وجه الدلالة / أنه وجد في نفس الأنصاري البدري حرج ولم يسلم تسليمًا لحكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومع ذلك لم يكفر ويؤكد عدم كفره أن الرجل بدري والبدريون مغفورة لهم ذنوبهم كما في حديث علي في قصة حاطب لما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"وما يدريك أن الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" [1] والكفر الأكبر لا يغفر، فدل هذا على أن البدريين معصومون من أن يكونوا كفارًا، نص عليه ابن تيمية [2] . ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يطالبه بالإسلام.

(1) رواه الستة إلا ابن ماجه قال ابن تيمية في المنهاج (4/ 331) : وهذه القصة مما اتفق أهل العلم على صحتها، وهي متواترة عندهم، معروفة عند علماء التفسير، وعلماء الحديث، وعلماء المغازي والسير والتواريخ، وعلماء الفقه وغير هؤلاء ا. هـ.

(2) مجموع الفتاوى (7/ 490) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت