قال الماوردي: (واختلف لأجل ذلك في جواز الولاية من قبل الظالم، فذهب قوم إلى جوازها إذا عمل بالحق فيما يتولاه، لأن يوسف عليه السلام تولى من قبل فرعون ليكون بعدله دافعًا لجوره. وذهبت طائفة أخرى إلى حظرها والمنع من التعرض لها، لما فيها من تولي الظالمين والمعونة لهم وتزكيتهم بتقلد أمرهم , و أجابوا عن ولاية يوسف عليه السلام من قبل فرعون بجوابين:
أحدهما: أن فرعون يوسف كان صالحا وإنما الطاغي فرعون موسى.
والثاني: أنه نظر في أملاكه دون أعماله. الأحكام السلطانية (ص/ 145)
وهناك من أهل العلم من أجاز تولي الولاية من الكافر ولكنهم اشترطوا لهذا: أن يكون مصلحًا على وفق الشرع ولا يعارضه الكافر في عمله، أما إذا كان الكافر يتدخل في عمله ويوجهه إلى ما يخدم مصالحه وشهواته فلا يجوز تولي هذه الولاية لما فيه من الضرر، واستدلوا بقصة يوسف عليه السلام، فقد تولى هذه الولاية للإصلاح ومكنه الملك من الحكم بشريعة الله دون أن يعترض عليه أحد، ولذلك قال الله تعالى: (( وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ ) ).
قال القرطبي في تفسيره عند آية (( قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ) )قال بعض أهل العلم: في هذه الآية ما يبيح للرجل الفاضل أن يعمل للرجل الفاجر، والسلطان الكافر بشرط أن يعلم أنه يفوض إليه في فعل لا يعارضه فيه، فيصلح منه ما شاء، وأما إذا كان عمله بحسب اختيار الفاجر وشهواته وفجوره فلا يجوز ذلك، وقال قوم: إن هذا كان ليوسف خاصة، وهذا اليوم غير جائز، والأول أولى إذا كان على الشرط الذي ذكرناه، والله أعلم"تفسير القرطبي (215/ 9) ، وينظر للاستزادة: الهداية مع فتح القدير (263 - 264/ 7) تبيين الحقائق (177/ 4) ، شرح أدب القاضي للصدر الشهيد (131/ 1) ."
فكيف يطلق من يستدل بالآية القول بالجواز دون النص على هذا الشرط الذي يعلم يقينا عدم تحققه، وهو يرى من هؤلاء المولين التنازل عن تحكيم الشريعة وإظهار العداوة على أهل السنة وتأليب الكفار على قتلهم واستئصالهم.
ثم يجب التنبه إلى فارق جوهري في المسألة يجعل الاستدلال في غير موضعه وهو أن حال يوسف عليه السلام مع الملك لم تكن حال قتال وحرب، فقد كان يوسف في غير بلده ولم يعتد عليه الملك بسلب أرضه وقتل أهله، فهو ليس كافرا حربيا بل يحكم في أرضه التي استتب له الحكم فيها، ولهذا نجد أن من استدل من أهل العلم بولاية يوسف عليه السلام، إنما يستدل بها على جواز تولي المسلم ولاية في بلاد الكفر ينتفع بها المسلمون بشرط أن يقوم المسلم بالعدل ولا يخالف شريعة الله في ولايته، فمثال قصة يوسف في واقعنا أن تولي بريطانيا مثلًا مسلمًا ولاية لديها وتعطيه صلاحيات مطلقة.