فهرس الكتاب

الصفحة 62 من 575

ويجنح معظم المتصدين لنقاش هذه القضية إلى اختزالها في حديث أو حديثين، ويتعلقون بظواهر بعض النصوص الشرعية دون اعتبار دلالاتها ودون اعتبار غيرها من النصوص الشرعية ولا تصور مقاصد الشريعة في قضية الإمامة والحكم في الإسلام، ولا مقارنة بينها وبين الواقع الذي يعيشه النظام، وهذا الأسلوب في تناول قضية شرعية حساسة ومتشعبة خطأ كبير، وينبني عليه استنتاجات خاطئة مثله.

ثم إن كثيرا من هذا النقاش دار داخل مجال نفوذ الحكم السعودي مما يعني استحالة حيادية النقاش، وتبعا لذلك لن تكون هناك دقة في الاستنتاج، لأن المشكلة ليست مجرد إرهاب الحكم، بل بسبب وجود مؤسسة دينية تتبنى طريقة معينة في شرعية الحكم السعودي، ويصعب بل يكاد يستحيل معارضة هذه المؤسسة لأن التبعات والمضاعفات على معارضة تلك المؤسسة ستأتي منها قبل أن تأتي من الحكم السعودي نفسه.

والذي يقع فيه باحثو الشرعية السياسية هو تركيزهم على شرعية فرد الحاكم دون اعتبار نظام الحكم نفسه، ومن ثم يُحرجون أنفسهم بخيارين، إما تزكية الحاكم أو تكفيره، وهذا من الاختزال المرفوض لقضية الشرعية وإرهاب فكري ضمني، بل هو بمثابة تحجيم للشريعة ومقاصدها العظيمة في قضايا الحكم والإمامة.

ويشبه هذا الإشكال ربط قضية الشرعية ربطا عضويا بقضية الخروج المسلح على الحاكم، واعتبار رفع السلاح إلزاما فوريا لمن يرى عدم الشرعية.

وقد أدى ربط قضية شرعية التكفير برفع السلاح إلى تخوف الكثير من طرق هذا الموضوع أو الاكتفاء بطرقه تحت إسقاط هذه التداعيات، وما يترتب على ذلك من غياب العدل والمنهجية في الاستدلال والاستنتاج.

إن الحكم الشرعي في أي مسألة أو نازلة أو قضية لا يمكن معرفته إلا بفهمين:

الأول: معرفة الواقع

والثاني: معرفة حكم الله تعالى فيه.

كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى: (ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم: أحدهما فهم الواقع فيه، واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والإمارات والعلامات حتى يحيط به علمًا، والنوع الثاني: فهم الواجب في الواقع، وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان رسوله في هذا الواقع، ثم يطبق أحدهما على الآخر) .

أو كما قال ابن تيمية عندما سئل عن حكم التتار فبيّن أن الحكم الشرعي مبني على أصلين: أحدهما المعرفة بحالهم، والثاني معرفة حكم الله في أمثالهم. اهـ

ولقد كان الظن أن إحجام طلبة العلم وأهله عن إصدار الحكم الشرعي في حق النظام السعودي والأنظمة عامة هو لعدم معرفتهم بالشق الأول (فهم الواقع) ، وذلك بسبب تلبيس النظام عليهم بتزوير حقيقته وطمسها بمجموعة من المحسّنات الظاهرة، فكان كشف هذه الممارسات والسياسات التي يجهلها طلبة العلم هو الدور الأهم، وقد أجمع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت