العلماء على وجوب كشف المنافقين والمبتدعين، وقد سئل الإمام أحمد: الرجل يصوم ويصلي ويعتكف أحب إليك أو يتكلم في أهل البدع؟، فقال: (إذا قام وصلى واعتكف فإنما هو لنفسه، وإذا تكلم في أهل البدع فإنما هو للمسلمين هذا أفضل) .
ومع أن بلاد الحرمين قد كثر فيها طلبة العلم إلا أن انشغالهم بالعلم وطلبه أبعدهم عن معرفة الواقع وحقيقته، وهذا قد يقع من طلبة العلم وأهله كما نبّه جماعة من السلف على ذلك، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى حيث تحدث عن ذلك في مواطن كثيرة من الفتاوى.
ولقد تبين أن كثيرًا من أهل العلم وطلبته قد أحجموا عن تنزيل حكم الله تعالى على هذا الواقع، وأسباب هذا الإحجام متفاوتة، فهناك مجموعة منهم رضيت لنفسها مقام (التقليد) ، حيث تنتظر من غيرها هذا التنزيل لتكون التالية لا السابقة في هذه الفضيلة، وهناك من يخاف الأثر المترتب على هذا التنزيل، ويزعم أن قول حكم الله تعالى في النظام سيؤدي إلى فتنة لا تُعلم نتائجها، وكأن هذا الصنف ظن أن معرفة حكم الله تعالى شر لابدّ من ستره وتغييبه، وفي هؤلاء يقول محمد بن وضاح رحمه الله تعالى: (إنما هلكت بنو إسرائيل على أيدي قرائهم وفقهائهم، وستهلك هذه الأمة على أيدي قرائها وفقهائها) ، وحكم الله تعالى فيه النجاة والسعادة حقيقة.
وعلى ضوء هذا فلابد من إيضاح حكم الله في هذه الأنظمة على ضوء الكتاب والسنة لأنّ مسألة الحكم والنظام مرتبطة بإقامة شرع الله وحقيقة التمسك بهوية الإسلام، فإنّ النظام إذا قام بشرع الله تحققت بذلك عبادة الله في جميع مناحي الحياة، وإذا خالف النظام شرع الله وأقام مقامها شريعة الطاغوت فسدت أمور الناس في معاشهم ومعادهم، وكشف حال النظام ومدى قربه أو بعده من الشرع هو من باب توضيح الحق وإثباته وكشف الباطل وإبطاله، والحاكم بما عنده من قوة ونفوذ وإمكانيات يستطيع أن يُضلل أفهام المسلمين ويُغيّر أفكارهم ويُلبّس أمورًا من الدين، ووضع النظام تحت ميزان الشريعة يُبين للناس الحق ويصقل المفاهيم ويردّ الباطل ويدحضه.
وقبل الشروع في هذه الأمور، لابدّ من تحديد بعض الثوابت والمقدمات النظرية حتى لا يلتبس الحال أو تفهم الأمور على غير محلها، وهذه المقدمات هي:
أولًا: أنه لا يقبل حكم ولا اعتقاد إلا بدليل شرعي، والدليل الشرعي هو الكتاب والسنة وفهم قواعد الصحابة ومن تبعهم من خير القرون المشهود لها، وما عداه فليس بحجة في ذاته، بل هو محتاج بنفسه إلى دليل، وكل ما هو خارج الكتاب والسنة والإجماع فهو رأي، والرأي يخطئ ويصيب، ويؤخذ منه ويرد عليه ومن ثم فإن البحث في مسألة شرعية النظام كغيرها من المسائل يجب أن يكون مبنيًا على الدليل الشرعي وفهم الواقع بدقة.
وعلى الرغم من أن هذا الكلام يبدو أمرًا لا جدال حوله، إلا أنه في الحقيقة في عداد المهجور رغم ترداد العلماء له بألسنتهم، وترى بعضهم يرفع شعار"كل ما هو خارج النص والإجماع فهو رأي والرأي ليس بملزم"، ثم تجدهم عند التطبيق يتعاملون مع آراء أهل الفتوى والقضاء وكأنها دين يجب التزامه، ويعتبرون الخروج على هذه الآراء معصية