فهرس الكتاب

الصفحة 70 من 575

خلقه الحكمُ والفصل بينهم، ولا يجوز أن يكون الخضوع والذل والاستسلام من المخلوقين إلا لخالقهم سبحانه، ومن الذل و الخضوع له سبحانه الذل والخضوع لحكمه وشرعه.

فمن وضع القوانين المخالفة لشرع الله وأمرَ بالحكم بها والتحاكم إليها وألزم الناس أن يخضعوا لها ويستسلموا لها فإنه ينازع الله في علوه وملكه وقهره وربوبيته وعبادته وتشريعه وهو بذلك طاغوت جعل من نفسه ندًّا لله، والذي يخضع ويذل ويستسلم ويرضى بحكمه عابدٌ له من دون الله.

قال ابن تيمية رحمه الله:"فالإسلام يتضمن الاستسلام لله وحده، فمن استسلم له ولغيره كان مشركًا، ومن لم يستسلم له كان مستكبرًا عن عبادته، والمشرك به والمستكبر عن عبادته كافر، والاستسلام له وحده يتضمن عبادته وحده، وطاعته وحده. [مجموع الفتاوى 3/ 91] ."

وقال ابن القيم رحمه الله: من تحاكم أو حاكم إلى غير ما جاء عن الرسول فقد حكم بالطاغوت وتحاكم إليه، وقد أمرنا سبحانه باجتناب الطاغوت قال سبحانه:"والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها"فالاحتكام إلى شريعة الطاغوت هو نوع من أنواع العبادة التي أمر الله بهجرها واجتنابها. اهـ [إعلام الموقعين، 1/ 49] .

وقال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله: وخُضوع الناس ورضوخهم لحكم ربِّهم خضوعٌ ورضوخٌ لِحُكم مَنْ خلقهم تعالى ليعبدوه فكما لا يسجدُ الخلقُ إلاّ للهِ، ولا يعبدونَ إلاّ إياه ولا يعبدون المخلوق، فكذلك يجب أن لا يرضخوا ولا يخضعوا أو ينقادوا إلاّ لحُكم الحكيم العليم الحميد، الرءوف الرحيم. اهـ

وقال رحمه الله:"لو قال من حكّم القانون أنا أعتقد أنه باطل فهذا لا أثر له، بل هو عزلٌ للشرع، كما لو قال أحد: أنا أعبد الأوثان وأعتقد أنها باطلة. [فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم،189/ 6] ."

هذا من جهة تعلق الحاكمية بتوحيد الألوهية.

ـ أما تعلقها بتوحيد الربوبية فإن الله سبحانه هو الذي خلق الخلق وهو مالكهم وهم عبيده وهو أعلم سبحانه بما يُصلح أمورهم ويُقيم حياتهم، والرب هو السيد والمالك والمصلح والمدبر والمربي، فالسيد هو الذي يحكم في عبيده، والمالك والمدبر هو الذي يُدير أمور مملوكيه ويفصل بينهم، والمصلح هو الذي يصلح شؤون خلقه ويُقيمها على أكمل وجه، والمربي هو الذي يربي خلقه بنعمه، ومن أعظم نعمه أن يتولى الفصل بينهم والحكم بينهم بما تستقيم به أمور معاشهم ومعادهم.

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله في تفسيره لقوله تعالى: (مالك يوم الدين) : المالك: هو من اتصف بصفة الملك التي من آثارها أنه يأمر وينهى, ويثيب ويعاقب, ويتصرف بمماليكه بجميع أنواع التصرفات. اهـ

والتحاكم إلى شريعته من أعظم ما يُظهر خضوع خلقه له واستقامتهم على دينه ورجوعهم إليه في جميع أمورهم، والتحاكم إلى شريعته دليل صدق الإيمان به والانقياد له كما قال تعالى: فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت