فهرس الكتاب

الصفحة 71 من 575

والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، وقال: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} .

وكونه سبحانه (الرب) يستلزم أن يشرع لخلقه من الأحكام ما تقوم به مصالح حياتهم، ولا يترك الأمر إلى عقولهم القاصرة وأفهامهم المختلفة المتفاوتة فيقع التنازع والشقاق وتعم الفوضى في المجتمع المسلم، وتعود الجاهلية وشريعة الغاب هي التي تحكم بين الناس، ولا يخفى على المطلع على أحوال العالم الفوضى والتسلط والتفرق الذي ساد أكثر بلدان العالم، وما ذلك إلا ببعدهم عن الوحي وتحكيم الشريعة ورجوعهم إلى عقولهم الكاسدة القاصرة في سياسة الشعوب والأمم.

فمن شرّع القوانين الوضعية وجعلها هي الحكم بين الناس يرجعون إليها ويصدرون عنها وينقادون لها فإنه قد نازع الله في ربوبيته كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعدي حينما سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ قوله تعالى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله والمسيح ابن مريم .. } قال عدي: إنا لسنا نعبدهم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (أليس يحلون لكم الحرام فتحلونه ويحرمون عليكم الحلال فتحرمونه؟) قال: بلى. قال: (فتلك عبادتهم) .

فأولئك الذين أحلوا الحرام وحرموا الحلال قد جعلوا أنفسهم أربابًا يشرعون مع الله، والذين أطاعوهم قد اتخذوهم أربابًا من دون الله حين أطاعوهم وخضعوا لحكمهم في شيء هو من خصوصيات الرب سبحانه.

قال أبو البحتري في حديث عدي المتقدم: أما إنهم لم يصلوا لهم، ولو أمروهم أن يعبدوهم من دون الله ما أطاعوهم، ولكن أمروهم فجعلوا حلال الله حرامه، وحرامه حلاله، فأطاعوهم فكانت تلك الربوبية.

يقول الشنقيطي رحمه الله: لما كان التشريع وجميع الأحكام، شرعية كانت أو كونية قدرية، من خصائص الربوبية ... كان كل من اتبع تشريعًا غير تشريع الله قد اتخذ ذلك المشرّع ربًا، وأشركه مع الله. اهـ [أضواء البيان 7/ 169] .

ويقول محمد رشيد رضا في بيان معنى الشرك في الربوبية:"هو إسناد الخلق والتدبير إلى غير الله تعالى أو معه، أو أن تؤخذ أحكام الدين في عبادة الله تعالى والتحليل والتحريم عن غيره، أي غير كتابه ووحيه الذي بلّغه عنه رسله. [تفسير المنار 2/ 55] ."

ويقول العز بن عبدالسلام:"وتفرد الإله بالطاعة لاختصاصه بنعم الإنشاء والإبقاء والتغذية والإصلاح الديني والدنيوي، فما من خير إلا هو جالبه، وما من ضُر إلا هو سالبه ... وكذلك لا حكم إلا له. [قواعد الأحكام 2/ 134،135] ."

ـ وأما تعلق الحاكمية بتوحيد الأسماء والصفات فإن من أسماء الله تعالى وصفاته أنه الحكيم والحكم والعدل وذلك يستلزم أن يشرع لعباده الأحكام التي تُقيم حياتهم على الوجه الصحيح، ويفصل بينهم فيما تنازعوا فيه.

قال تعالى: - {أَفَغَيْرَ اللّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا} [الأنعام، آية 114] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت