فهرس الكتاب
قلتُ: ومن أعظم شعائر الإسلام الظاهرة: الحكم بالشريعة، بل إن الامتناع عن الحكم بالشريعة، يعتبر امتناعًا عن معظم شرائع الإسلام.
قال ابن القيم:"وأما الرضا بنبيه رسولًا: فيتضمن كمال الانقياد له، والتسليم المطلق إليه، بحيث يكون أولى به من نفسه، فلا يتلقى الهدى إلا من مواقع كلماته، ولا يحاكم إلا إليه، ولا يحكم عليه غيره، ولا يرضى بحكم غيره ألبتة، لا في شيء من أسماء الرب وصفاته وأفعاله، ولا في شيء من أذواق حقائق الإيمان ومقاماته، ولا في شيء من أحكام ظاهره، وباطنه، ولا يرضى في ذلك بحكم غيره، ولا يرضى إلا بحكمه، بل إن الحكم بما أنزل الله - تعالى - هو معنى شهادة أن محمدًا رسول الله. . [مدارج السالكين، ج2،ص172] "
وكما قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب:"ومعنى شهادة أن محمدًا رسول الله، طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع."
قال ابن كثير: (فما حكم به كتاب الله وسنة رسوله، وشهد له بالصحة، فهو الحق، وما ذا بعد الحق إلا الضلال؟ ولهذا قال - تعالى:(إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) أي رُدُّوا الخصومات والجهالات إلى كتاب الله وسنة رسوله، فتحاكموا إليهما فيما شجر بينكم، فدلّ على أن من لم يتحاكم في محل النزاع إلى الكتاب والسنة، ولا يرجع إليهما في ذلك، فليس مؤمنًا بالله، ولا باليوم الآخر.
وقال رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى {أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكمًا لقومٍ يوقنون} [المائدة: 50] : «ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المحكم المشتمل على كل خير الناهي عن كل شر وعَدَلَ إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم [جنكيز خان] الذي وضع لهم الياسق وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها عن شرائع شتى من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وغيرها، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعًا متبعًا يقدمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن فعل ذلك فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فلا يُحكّم سواه في قليلٍ ولا كثير» .
وقال رحمه الله: «فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبدالله خاتم الأنبياء وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر، فكيف بمن تحاكم إلى الياسق وقدّمها عليه؟ من فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين» . [البداية والنهاية، ج13،ص119]
فهذا الإمام بن كثير ينقل الإجماع على كفر من تحاكم إلى القوانين المخالفة للشرع حتى لو كانت من شرائع سماوية منسوخة، فإذا كان هذا حكم من تحاكم إلى تلك القوانين -وهو لم يضع تلك القوانين ولم يفرضها ويلزم