فهرس الكتاب
الناس بها- فكيف بمن شرّع تلك القوانين واستبدل أحكام الله بها، وألزم الناس بالحكم بها والتحاكم إليه؟! لا شك أن هذا أولى بالكفر.
وأما قول المؤلف[فمن كلام ابن كثير وشيخه أبي العباس ابن تيمية وغيرهما يتضح أن الإجماع المحكيَّ فيمن وقع في التحليل والتحريم أي تجويز حكم غير حكم الله إذ جعلوا الياسق كدين الإسلام موصلًا إلى الله ومسألتنا المطروحة فيمن حكم بغير ما أنزل الله مع الاعتراف بالعصيان لا مع القول بأنه جائز لا محظور فيه أو بأنه طريق للرضوان.
ثم تنبه - أيها القارئ - إلى قول ابن كثير: فكيف بمن تحاكم إلى الياسق وقدمها عليه ا. هـ هؤلاء جمعوا بين التحاكم إلى الياسق وتقديمه على شرع الله، فليس ذنبهم مجرد التحكيم الذي هو عمل بل قارنه الاعتقاد وهو التقديم].
هذا كلام باطل من وجوه:
الأول: أن المؤلف خلط بين مسألتين، مسألة التحاكم إلى غير الشرع، ومسألة تحكيم غير الشرع، وكلام ابن كثير المذكور يتكلم فيه عن حكم التحاكم إلى الياسق، فهو لم يذكر حكم الذين يحكمون بالياسق، وإنما ذكر حكم من يتحاكم إلى الياسق، وعند تأمل كلامه يظهر لك حكم من يتحاكم إلى الياسق، وفيه إشارة إلى حكم الذين يحكمون بالياسق من باب قياس الأولى.
وتوضيح المسألة: أنّ من ترك حكم الله وذهب ليتحاكم إلى غير شرع الله فإنه معرض عن حكم الله، دافع له، مقدّمٌ حكم غير الله على حكم الله، وهذا كفر، حتى لو لم يعتقد في قلبه تقديم حكم غير الله على حكم الله، فإنّ تركَهُ لحكم الله وتحاكمه إلى حكم غيره تقديم لحكم غير الله على حكم الله هذه حقيقة فعله.
وإذا كان الذي يعرض عن حكم الله ويتحاكم إلى حكم غير الله كافر مع كونه لم يضع تلك القوانين ولم يحكم بها ولم يُلزم الناس بها، فكيف بمن وضع تلك القوانين واستبدل أحكام الشرع بها وحكم بها وأمر بالحكم بها والتحاكم إليها، فإن هذا يكفر من باب أولى.
الثاني: تأمل مرة أخرى في كلام ابن كثير فإنه يتكلم عن التحاكم وهو فعل ولم يتطرق إلى الاعتقاد، فهو يتكلم هنا عن ترك حكم الله والتحاكم إلى غيره، وهذا كفر عملي، وأما الاعتقاد فإنّ من اعتقد أن الياسق طريق للرضوان فإنه يكفر ولو لم يتحاكم إليه، وليست هذه هي المسألة التي يتكلم عنها ابن كثير وإنما يتكلم عن الإعراض عن حكم الله والتحاكم إلى حكم غيره.
الثالث: أن شيخ الإسلام رحمه الله بيّن أن الطائفة الممتنعة عن إقامة بعض شرائع الإسلام الظاهرة تكون خارجة عن الإسلام وإن كانت مقرة بها، ومن أعظم شعائر الدين الظاهرة إقامة أحكام الشرع، فكيف إذا كان الأمر ليس بالامتناع فقط بل زاد عليه بالإتيان بأحكام أخرى مخالفة وإلزام الناس بها، فهذا خروجه من الإسلام من باب أولى،