فهرس الكتاب
بل قد أفتى بعض العلماء كالشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله: بأن الدولة التي لا يُحكم فيها بالشرع لا تعتبر دار إسلام حيث قال رحمه الله: إن البلد التي يُحكم فيها بالقانون ليس بلد إسلام فيجب الهجرة منها" [فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم: 12/ 289] ."
لأنها إنما سُمّيت دار إسلام لظهور شعائر الإسلام عليها والرجوع إلى أحكام الإسلام في جميع شؤونها، فإذا فقدت هذا الأمر وصار الذي يُدير شؤونها وينظم سياستها أحكام بشرية طاغوتية مضاهية لأحكام الشرع، فكيف تكون دار إسلام والحكم الذي يسوسها حكم الطاغوت لا الإسلام؟
وليس معنى ذلك كفر المسلمين الذين في تلك البلاد، بل يكون حكمها كما حكم شيخ الإسلام ابن تيمية على مدينة ماردين حيث كان يحكمها الكفار وأغلب شعبها من المسلمين، فقال: لها حكم الدارين، فباعتبار السلطة هي دار كفر وباعتبار الشعب هي دار إسلام.
الرابع: أن الحاكم بغير الشرع، مشرّع مع الله، منازع لله في ربوبيته وحكمه وتشريعه، قد جعل نفسه ندًّا لله يضاده في شرعه ويعارضه في حكمه، سواء نسب تلك القوانين إلى الدين أو لم ينسبها، وهو بحكمه بغير شرع الله يُعبّد الناس لغير الله في التحاكم ويجعلهم يخضعون ويرضخون ويستسلمون وينقادون لغير حكم الله وهذا كفر ولا ينفعه إقراره بالخطأ.
قال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله: وخُضوع الناس ورضوخهم لحكم ربِّهم خضوعٌ ورضوخٌ لِحُكم مَنْ خلقهم تعالى ليعبدوه فكما لا يسجدُ الخلقُ إلاّ للهِ، ولا يعبدونَ إلاّ إياه ولا يعبدون المخلوق، فكذلك يجب أن لا يرضخوا ولا يخضعوا أو ينقادوا إلاّ لحُكم الحكيم العليم الحميد، الرءوف الرحيم. اهـ
وقال رحمه الله:"لو قال من حكّم القانون أنا أعتقد أنه باطل فهذا لا أثر له، بل هو عزلٌ للشرع، كما لو قال أحد: أنا أعبد الأوثان وأعتقد أنها باطلة. [فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم،189/ 6] ."
يقول الشنقيطي رحمه الله: لما كان التشريع وجميع الأحكام، شرعية كانت أو كونية قدرية، من خصائص الربوبية ... كان كل من اتبع تشريعًا غير تشريع الله قد اتخذ ذلك المشرّع ربًا، وأشركه مع الله. اهـ [أضواء البيان 7/ 169] .
الخامس: أن المتحاكم إلى حكم غير الله مقدم حكم غير الله على حكم الله، والحاكم بغير الشرع مقدِّمٌ حكمه على حكم الله شاء أم أبى، فمن نحّى شرع الله وحكم بغيره فهو مؤخر لحكم الله مقدم لحكم غيره، ولا يُعقل أن يعتقد أن الله أحكم الحاكمين وأن حكمه أعدل الأحكام، وأنه سبحانه أمر بالحكم بشرعه، ونهى عن الحكم والتحاكم إلى ما يخالف شرعه، ثم هو بعد ذلك يدع حكم الله، ويعرض عنه، ويأتي بالأحكام الوضعية، ويحكم بها ويلزم الناس بها، ويحارب من ينهاه عن ذلك، ثم يزعم بعد ذلك أنه لم يقدّم حكمه على حكم الله، إنّ هذا مؤخر لحكم الله مقدّم لحكم غيره لا يشك في ذلك من عنده مسكة عقل.