فهرس الكتاب
السادس: أن ابن كثير قطع الطريق على المدلسين الذين يحرفون الكلام ويلوون مقاصده فقال: [فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبدالله خاتم الأنبياء وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر] ، أيكفرُ بمجرد التحاكم إلى الشرائع المنسوخة التي أصلها من الله، ولا يكفر بالتحاكم إلى الياسق إلا إذا اعتقد أنها طريق للرضوان؟!
وأما قول المؤلف [هؤلاء جمعوا بين التحاكم إلى الياسق وتقديمه على شرع الله، فليس ذنبهم مجرد التحكيم الذي هو عمل بل قارنه الاعتقاد وهو التقديم]
هذا ليس بصحيح لأن الاعتقاد أمر قلبي لا يعلمه إلا الله، ولكنّ تنصيبه للقوانين الوضعية للحكم بها بين الناس بدلًا عن حكم الله يعتبر تقديمًا لها على حكم الله، وتأمل قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يتبين لك أنّ من ترك حكم الله وحكم بغيره فإنه يعتبر مقدّمًا لحكم غير الله على حكم الله حيث قال رحمه الله في الفتاوى ج35 ص406: (ومن حكم بما يخالف شرع الله ورسوله وهو يعلم ذلك فهو من جنس التتار الذين يقدمون حكم الياسق على حكم الله ورسوله) .
فانظر رحمك الله كيف أن شيخ الإسلام بيّن أن من يحكم بما يخالف حكم الله ورسوله مع علمه يعتبر مقدّمًا حكم غير الله على حكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وجعل ذلك هو حقيقة فعله ولم يشترط أن يعتقد ذلك بقلبه كما ذهب إليه المؤلف، وهذه لوثة إرجائية وما أكثرها عند المؤلف وستعرف في نهاية هذا الكتاب شيئًا منها إن شاء الله.
ولا أدري ما المقصود من قول المؤلف: [بل قارنه الاعتقاد وهو التقديم] ، فإن كان المقصود أنهم اعتقدوا أنه أفضل من حكم الله أو أنه أحق بالتقديم من حكم الله فإنهم يكفرون بذلك ولو لم يحكموا به، فهذا مناط مستقل له حكم مستقل.
وكلام ابن كثير يرد عليه، فإنه قال قبل ذلك: فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبدالله خاتم الأنبياء وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر، فكيف بمن تحاكم إلى الياسق وقدّمها عليه؟ من فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين. اهـ
فلاحظ قوله: وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر، فلم يذكر التقديم في التحاكم إلى الشرائع المنسوخة مع كونها من عند الله فكيف بالياسق الذي هو من وضع الكفار؟ هذا واضح، وبالتالي تعلم أن قوله وقدمها عليه من لوازم جَعْلِها الحَكَمَ بين الناس فإنها بذلك مقدمة وحكم الله مؤخر.
السابع: أن ابن كثير رحمه الله قال بعد ذلك: فمن فعل ذلك فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فلا يُحكّم سواه في قليلٍ ولا كثير.