فهرس الكتاب
فلم يقل حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله ويرجع عن التقديم عليهما، بل قال حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير، وبهذا تعلم أن لفظة التقديم إنما هي من لوازم الحكم بغير ما أنزل الله، فمن حكم بالقوانين والوضعية بدلًا عن حكم الله فهو مقدّم للقوانين ومؤخر لحكم الله شاء أم أبى.
ونحن نسأل المؤلف: من ترك حكم الله وأتى بحكم غيره وحكم به بدلًا عن حكم الله، ألا يُعتبر مقدّمًا حكم غير الله على حكم الله؟
ومن نحّى حكم الله وأعرض عنه، وأتى بحكم غيره وحكم به بدلًا عن حكم الله، هل يُمكن أن يكون هذا مقدّمًا لِحكم الله وقد نحاه وتركه وأعرض عنه، وهل يُمكن أن يكون مؤخرًا لِحكم غير الله وهو قد حكم به بدلًا عن حكم الله؟!
** فصلٌ **
وتأمل الأحاديث التي جاءت في طاعة ولاة الأمر وقيّدت الطاعة بقيامهم بكتاب الله، وبينت الأحاديث أنه لا يجوز القيام على ولي الأمر إلا إذا أتى بكفرٍ بواح عندنا فيه من الله برهان، كذلك منعت من القيام عليهم ما أقاموا الصلاة.
قال صلى الله عليه وسلم: (إن أُمّر عليكم عبد مُجدّع أسود يقودكم بكتاب الله تعالى فاسمعوا له وأطيعوا) . رواه مسلم.
وفي لفظ: (لو استعمل عليكم عبد يقودكم بكتاب الله فاسمعوا له وأطيعوا) . رواه مسلم
وفي رواية الطبراني في المعجم الكبير: (إن أمّر عليكم عبد حبشي مجدع فاسمعوا له ما أقام فيم كتاب الله تعالى) .
وقال صلى الله عليه وسلم: (إنّ هذا الأمر في قريش، لا يعاديهم أحد إلا كبّه الله في النار على وجهه، ما أقاموا الدين) رواه البخاري.
ولما سئل صلى الله عليه وسلم عن القيام عليهم قال: (لا ما أقاموا فيكم الصلاة) .
وقال في الحديث الآخر (لا إلا أن تروا كفرًا بواحًا عنكم فيه من الله برهان) .
عند تأملك في مجموع ما ورد في هذا الباب تعلم أن تنحية حكم الله والحكم بغيره كفر بواح، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الخروج على ولاة الأمر ما داموا مسلمين، أما إذا خرجوا من الإسلام بكفر بواح فإنه يجب القيام عليهم وخلعهم، وبيّن النبي صلى الله عليه وسلم حالتين من الحالات التي يُشرع فيها القيام على الحاكم، وذلك دليل على أن كلا الحالتين يكون الحاكم فيها قد ارتكب كفرًا بواحًا؛ إذا لا يصح أن يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بطاعتهم ما لم يرتكبوا كفرًا بواحًا ثمّ يأمر بالخروج عليهم وهم لم يرتكبوا كفرًا بواحًا، فدل ذلك على أن الحالات التي بيّن النبي صلى الله عليه وسلم فيها مشروعية الخروج