الفاضح، ولم يعد هناك ارتباط بين مواعيد العمل ومواقيت الصلاة ...
نشأت لهذا المجتمع مشكلات، وجدت له قضايا، وطُلب من الفقه الإسلامي أن يضع حلولًا لمشكلات لمجتمعٍ غير ملتزمٍ بالإسلام [1] .
هذا هو المأزق الذي يعيشه فقهاء العصر، أعانهم الله، وأنا أتحدث عن صفوة كرام بلغوا من الفضل والفقه والورع درجة تؤهلهم للاجتهاد في نوازل هذا العصر، هؤلاء الصفوة وراء النجاحات التي تحققها المجامع الفقهية، ومراكز البحوث، والموسوعات الفقهية. في ضوء هذا المأزق الذي صورناه تُدرس هذه الجهود إنصافا لهؤلاء الأفاضل.
وهناك زعانف كُثر حملوا ألقابًا علميةً، وإن لم تَشَم أنوفُهم رائحة الفقه، راحوا يسخرون من تراثنا الفقهي، ويردّدون ترديد الببغاء: (إنه جهد بشري نشأ لعصرٍ غير عصرنا) ويدعون لاطّراحه وإلقائه وراءنا ظهريًا، والأَخدَ مباشرة من القرآن والسنة، ولو أردت واحدًا منهم على أن يقرأ صفحة واحدة من صحيح البخاري ما استطاع أن يقيم لسانه بها إعرابًا، ناهيك عن معرفة المعنى اللغوي للمفردات، ولا أقول معرفة العام من الخاص، والمطلق من المقيد، والناسخ من المنسوخ.
هؤلاء لا كلام لنا معهم، ولا شأن لنا بهم، ولكنْ للأسف لهم صوتٌ عالٍ، وكثيرًا ما يشغبون على الفقهاء الأصلاء المتبتَّلين للعلم والبحث.
وبعد
نعود فنقول: إننا لم ننس أننا في هذه المقدمات نتكلم عن تطوّر المذهب الشافعي وحاله في هذا العصر. وقد وضح الآن مما أشرنا إليه آنفًا أن الفقه المذهبي -مع أنه ما زال يدرس في كليات الشريعة- لم يعد له مكان في الفتوى، والتشريع، والبحوث، بل صارت كلها دراسات مقارنة، تنظر في كل الفقه الموروث بمذاهبه الأربعة، بل أحيانًا الثمانية، وتزن الأدلة وتقدّرها في قضية معينة، وتختار ما تراه
(1) التعبير الأوضح (لمجتمع غير إسلامي) ، ولكني عدلتُ عنه لأنه قد يوحي بتكفير المجتمع، وحاشا لله أن نقول بهذا.