قد اجتهدنا في الفصل السابق أن نبين بالتحقيق العلمي الخالص والمشاهدات والتجارب العلمية ماذا ينبغي أن تكون الأركان الرئيسية في حدود الشؤون الجنسية في نظام معتدل للتمدن قائم على مراعاة مقتضيات فطرة الإنسان ودلالات وضعه الذهني وتكوينه الخلقي. ولم يُذكر في هذا البحث شيء من قبيل المتشابهات أو مما يكون لقائل فيه مقال؛ بل كل ما قيل فيه هو من محكمات العلم والحكمة، ومما يعرفه أولوا العلم والألباب. ولكن من عجائب العجز الإنساني أن كل ما وضعه الإنسان نفسه من نظم للتمدن، لم يُراع فيه دلالات الفطرة المعلومة المعروفة هذه، على وجه الاستقصاء والتناسب المرضي. وظاهر أن الإنسان لا يجهل مقتضيات فطرته نفسه، ولا تعمى عليه أوضاعه الذهنية وخصائصه الجسدية. إلا أنه من الواضح البين مع ذلك، أنه لم يُوفّق إلى الآن لوضع نظام معتدل للتمدن، مُراعىً في مبادئه ومناهجه كل تلك المقتضيات والخصائص، وكل المصالح والمقاصد باتزان كامل.