وقد مُنحت المرأة البالغة كثيرًا من الحرية في شؤونها الشخصية. ولكنها لم تمنح حرية الإرادة والاختيار مثل ما أعطيه الرجل البالغ. فللرجل -مثلًا- أن يخرج في السفر إلى حيث يشاء وأنى يشاء. ولكن امرأة -بكرًا كانت أم متزوجة أم أرملة- يجب أن يصاحبها في السفر محرم."لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفرًا يكون ثلاثة أيام فصاعدًا إلا ومعها أبوها أو أخوها أو زوجها أو ابنها أو ذو حرمة منها". وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"لا تسافر المرأة مسرة يوم وليلة إلا ومعها محرم" [1] . وعن أبي هريرة أيضًا أنه صلى الله عليه وسلم قال:"لا يحل لامرأة مسلمة تسافر مسيرة ليلة إلا ومعها رجل ذو حرمة منها" [2]
أما الاختلاف في تعيين مقدار السفر في هذه الروايات، فيدل على أن الأهمية ليست لمدة اليوم أو اليومين، بل الأهمية كلها لئلا يباح للمرأة من حرية التنقل والسفار ما يؤدي إلى الفتنة. لذلك ما اهتم النبي صلى الله عليه وسلم بتعيين مقدار لهذا السفر بل قال فيه أقوالًا مختلفة مراعاة للوقت والمناسبة في مختلف أحوال السائلين.
والمرء له كل الحرية في أمر نكاحه. فله أن ينكح ما طاب له من المسلمات أو من نساء أهل الكتاب. وله أيضًا أن يتمتع بأمته. ولكن المرأة لم يجعل لها كل هذه الحرية والاختيار. فلا يجوز لها أن تنكح رجلا من غير المسلمين."لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ" (الممتحنة: 10) وكذلك لا يجوز لها التمتع بعبدها. ولم يرخّص لها القرآن من التمتع بملك اليمين مثل ما رخّصه للرجل. وحدث في زمان عمر رضي الله عنه أن امرأة أخطأت تأويل الآية"مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ"فتمتعت بعبدها. فلما بلغ ذلك عمر، عرض الأمر على مجلس شوراه من الصحابة، فأجمعوا على الإفتاء عليها بقولهم:"قبّحها الله تأوّلت كتاب الله غير تأويله"وامرأة أخرى استأذنت عمر في مثل ذلك، فشدّد عقوبتها وقال:"لن تزال العرب بخير ما منعت نساؤها [3] ".
وأما إذا استُثني الكافر والعبد، فالمرأة لها الحرية في انتخاب زوجها من أحرار المسلمين. ولكنه يجب عليها في هذا الأمر أيضًا أن تراعيّ رأي أبيها وجدّها وأخيها وسائر أوليائها. ولا ريب أنه ليس للأولياء أن يُنكحوها أحدًا بغير رضاها لقول النبي صلى الله عليه وسلم:"الأيّم أحق بنفسها من وليّها". ولا تُنكح البكر حتى تستأذن. ولكنه لا يليق بالمرأة كذلك أن تنكح من تشاء من الرجال بغير رضا الرجال المسؤولين من أسرتها. لأجل هذا قد استعمل القرآن الباب الثلاثي من فعل نكح ينكح كلما تكلم عن الرجال فقال:"وَلاَ تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ" (البقرة: 221) و"فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ" (النساء: 25) ولكنه استعمل باب الإفعال من هذا الفعل متى كان الكلام في النساء فقال:"وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ" (النور: 33) "وَلاَ تُنكِحُوا الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا" (البقرة: 221) .
ومعنى ذلك أنه كلما أن المرأة المتزوجة تابعة لبعلها، كذلك البِكر تابعة للرجال المسؤولين من أسرتها. وليست هذه التبعية معناها عدم الخيرة لها في شأنها. بل المراد بها أنه لما كان الرجل هو المسؤول عن حفظ النظام الاجتماعي من الفوضى والاختلال وصيانة أخلاق الأسرة وشؤونها عن الفتن الداخلية والخارجية، فقد فُرض على المرأة -حفظًا لهذا النظام- أن تطيه الرجل الذي هو مسؤول عنها، سواء كان ذلك الرجل بعلها أو أباها أو أخاها.
(1) الترمذي: باب ما جاء في كراهية أن تسافر المرأة وحدها.
(2) أبو داوود: باب في المرأة تحج بغير محرم.
(3) كشف الغمة للشعراني.