إن الذين ينكرون الحجاب في وطننا وفي سائر أقطار الشرق، وجهة أنظارهم في الحقيقة هذا النمط من الحياة. وهذه الحياة هي التي قد تأثرت بمظاهرها الخلابة أحساسيهم ومشاعرهم. وهذه النظريات، وهذه المبادئ الخلقية، وهذه المنافع المادية، واللذات، هي التي فتنت جوانبها المشرقة عقولهم وأفئدتهم. فليس السبب في كراهيتهم الحجاب إلا كون فلسفته الأساسية مناقضة لفلسفة الأخلاق الغربية التي آمنوا بها، وكونها حائلة بينهم وبين ما يطمحون إليه بأبصارهم من الفوائد واللذات. أما هل هؤلاء مستعدون لقبول الجوانب المظلمة من تلك الحياة أم لا؟ وبكلمة أخرى هل هم يرضون الوصول إلى النتائج العملية لتلك المبادئ والنظريات؟ فأمر ليست حالهم فيه سواء. ففريق يعرف تلك النتائج كل المعرفة ويرضاها لنفسه، ويعدها أيضًا جوانب مشرقة، لا مظلمة، للحياة الغربية. وآخر يعتقد هذا الجانب من حياة الغربيين مظلمًا، فلا يريد أن يقبله، ولكنه يتهالك على الفوائد التي تتصل بذلك النمط من الحياة. وثالث لا يفهم تلك النظريات ولا يعرف نتائجها، ولا هو يريد أن يعمل فكره ورويّته في تبين ما بين تلك النظريات ونتائجها من علاقة، بل قُصاراه أن يتّبع ما هو معمول به في العالم. وقد اختلطت هذه الطبقات الثلاث بعضها ببعض اختلاطًا ربما لا يتيسّر معه للمرء تعيين طبقة مخاطبه إذا حاوره. وكثيرًا ما يؤدي هذا الاختلاط والنماذج إلى ارتباك في البحث والتواء في الموضوع. فالحاجة داعية إلى أن يفرّق بين هذه الطبقات الثلاث وتميّز إحداها عن الأخرى. ثم يُتناول الكلام في كل واحدة منها على حسب أفكارها ومنازعها.