الصفحة 122 من 200

وأولى الحقائق الت يكشف عن وجهها الستر في هذا الصدد هي:"وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ" (الذارات: 49) فتشير الآية إلى عموم القانون الزوجي ( Law of Sex) وشموله، ويعلن صانع هذا الكون فيها سر صناعته، فيقول إنه خلق هذا المعمل الكوني على قاعدة الزوجية، أي أن جميع آلاته وماكناته قد خلقت أزواجًا، وكل ما يُرى من بدائع الصنع في هذه الخليقة، هو راجع إلى تلك المزاوجة بين الأشياء.

ولنتدبر ما هي الزوجية: إن الزوجية في الحقيقة عبارة عن أن يكون شيء متصفًا بالفعل وآخر متصفًا بالقبول والانفعال، ويكون في أحدهما التأثير وفي الآخر التأثر، وفي هذا العقد وفي ذاك الانعقاد. وهذا الفعل والانفعال والتأثير والتأثر والعقد والانعقاد بين الشيئين هو علاقة الزوجية بينهما. وهذه العلاقة هي أساس تركيب الأشياء في هذا العالم! وعلى هذا التركيب يجري نظام هذا الكون. فكل شيء في هذا الكون قد خُلق زوجين وصنفين في طبقته. وكل زوجين من الأزواج يرتبطان -من حيث المبدأ والأصل- بهذه العلاقة الزوجية التي يكون أحدهما فيه فاعلًا والآخر قابلًا ومنفعلًا. ولا ريب أنه تختلف كيفية هذه العلاقة باختلاف طبقات المخلوقات، فمن أنواع المزاوجة ما يوجد بين العناصر والجواهر، ومنها ما يكون بين المركّبات غير النامية، وآخر تراه بين الأجسام النامية، ونوع تعهده في أنواع الحيوان، وكل هذه الأنواع من المزاوجة تختلف في نوعيتها وكيفيتها ومقاصدها الفطرية، ولكنها تتفق في أصل الزوجية وجوهرها. ولتحقيق مقصود الفطرة الرئيسي-وهو حصول التركيب وحدوث الهيئة المركبة- في كل نوع من أنواع هذا الوجود، مهما كانت طبقته، لا بد أن يكون أحد زوجيه متصفًا بقوة الفعل والآخر بقوة الانفعال.

وإذا تقرر هذا المفهوم للآية المذكورة آنفًا، فيستنبط منه الباحث ثلاثة مبادئ أولية للقانون الزوجي:

أولها أن الدستور الذي قد خلق الله تعالى عليه الكون، والطريق الذي جعله سببًا لسير نظامه هذا، لا يمكن أن يكون نجسًا مكروهًا؛ بل هو -من حيث أصله وجوهره- نظيف محتوم. وهكذا ينبغي أن يكون. وقد يخالفه أعداء هذا النظام ويجتنبونه زاعمين إياه شيئًا بشعًا ممقوتًا، ولكن بارئ هذا النظام ومالكه لم يكن ليريد أن يقف دولابه وتتعطل حركته. وإنما مشيئته أن يبقى معمله هذا جاريًا في عمله وتبقى آلاته كلها تأتي بوظائفها فيه!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت