إن المبدأ الرئيسي لقانون العقوبات الإسلامي أن لا يشد المرء بوثاق السياسة إلا إذا ارتكب بالفعل عملًا مخربًا للتمدن. فإذا فعل، فلا ينبغي أن يعوّد ارتكاب المآثم واحتمال العقوبات، بمعاقبته على ذلك عقابًا هيّنًا، بل يجب أن تجعل الشروط اللازمة لإثبات الجرائم شديدة مستعصية [1] وأن يجنب الناس التعرض لمؤاخذة القانون ما أمكن [2] . ولكنه إذا وقع أحدهم في بطشته، وقامت البينة عليه. فليعاقبن عقابًا لا يعجزه وحده عن إعادة تلك الجريمة، بل يكون نكالا لألوف من أمثاله الذين يميلون إلى ارتكابها، حتى يرهبوها ويحجموا عنها. وذلك أن غاية القانون هي تطهير المجتمع من الجرائم، لا تعويد الناس إياها، ومعاقبتهم عليها مرة بعد أخرى.
والفعلتان اللتان قد قرّرهما الإسلام من الجرائم المستلزمة للعقوبة، حفظًا لنظام الاجتماع هما اثنتان: الزنى والقذف.
(1) إن الشروط اللازمة لإثبات الجرائم في قانون الشهادات الإسلامي، شديدة جدًا على العموم. ولكن الشرائط لإثبات جريمة الزنى قد جعلت أشد وأصعب من سائرها فالقانون الإسلامي يكتفي بشاهدين اثنين للقضاء في عامة شؤون الحياة. ولكنه يستلزم ثبات الزنى أربعة شهداء على الأقل.
(2) من قول النبي صلى الله عليه وسلم: ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن كان له مخرج، فخلوا سبيله. فإن الإمام يخطئ في العفو خير من ان يخطئ في العقوبة. (الترمذي: أبواب الحدود) .