قد ذكرنا فيما سبق عن الزنى، أن هذه الفعلة نتيجة لانحطاط الإنسان إلى أسفل دركات الخلق. فالذي يرتكبها، يبرهن أن نفسه قد غلبتها البهيمية كل الغلبة، فهو لا يصلح لأن يعيش في المجتمع كعضو صالح من أعضائه. وهذه الفعلة من وجهة نظر الاجتماع من أكبر السيئات التي تأتي التمدن الإنساني من القواعد. ولهذا قد قررها الإسلام في نفسها جريمة تستلزم العقوبة، سواء أاقترنت بها جريمة أخرى كالقسر والإكراه، والتحامل على حق الآخر، أم لا. ولذا يأمر القرآن:"الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَاخُذْكُم بِهِمَا رَافَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ" (النور: 2) .
وقد كبُر ما بين القانون الغربي والقانون الإسلامي من الاختلاف في هذا الباب. فالقانون الغربي لا يعتبر الزنى في نفسه من الجرائم. وإنما يصير جريمة في عينه إذا كان بإكراه، أو إذا ارتكبه الفاعل بامرأة في عقد رجل آخر. وبعبارة أخرى ليست الجريمة في القانون الغربي هي الزنى نفسه، بل الجريمة هي الإكراه والاعتداء على حق الآخر. بخلاف الإسلام، فإن الزنى في قانونه جريمة في ذاته، وتضاف إليه جريمة أخرى، إذا كان معه قسر وإكراه، أو اعتداء على حقوق الآخرين. ولهذا الاختلاف الجوهري في النظريات، يختلف القانونان في أساليبهما في باب العقوبة. فالقانون الغربي يكتفي بالحبس عقوبة للزنى بامرأة ذات زوج، فلا يعاقب عليها إلا بغرم يؤدى إلى زوجها. وهذه العقوبة ليس من شأنها أن تقمع الجريمة، بل هي حرية بأن تزيد الناس جراءة عليها لأجل ذلك تجد سيئة الزنى إلى الزيادة والانتشار في الأقطار العاملة بهذا القانون. والقانون الإسلامي، على عكس ذلك، يعاقب على الزنى عقابًا شديدًا يطهّر المجتمع من هذه الجريمة ومرتكبيها مدة طويلة من الزمن، فالأقطار التي عملت بعقوبة الإسلام لجريمة الزنى، لم يعم فيها ارتكابها قط. وذلك أن إقامة الحد على الجاني مرة واحدة، تلقي في قلوب الأهلين من الهيبة والروعة ما لا يعود معه أحدهم يجترئ على الجريمة إلى سنين. فكأنهما عملية جراحية نفسية؛ تجري على ذهن المائلين إلى الجرائم، فتنصلح بها نفوسهم من تلقائها.
وإن الضمير الغربي يشمئز من عقوبة الجلدات المئة. والسبب في ذلك لا يرجع إلى كونه لا يحب إيذاء الإنسان في جسده. بل السبب الحقيقي أنه لم تكتمل بعد نشأة شعوره الخلقي. فهو بينما كان يعد الزنى من قبل عيبًا وهجنة، إذا به الآن لا يعتبره إلا لعبًا وسلوة، يعلل به شخصان نفسيهما ساعة من الزمان. فهو يريد لذلك أن يسامح في هذا الفعل ولا يحاسب عليه، إلا إذا أخل الزنى بحرية رجل آخر أو بحق من حقوقه القانونية. وحتى عند حصول هذا الإخلال لا يكون الزنى عنده إلا من صغار الجرائم التي لا تتأثر بها إلا حقوق شخص واحد، فيكفي للمعاقبة عليه بعقاب خفيف أو تغريم!