الصفحة 155 من 200

إن التعبير النفسي الكامل الصحيح الذي قد عبر به الإسلام عن غريزة الحياء الإنساني في باب ستر العورات، لا مثيل له في حضارة من حضارات العالم. ومن حال أرقى أمم الأرض وأعلاها ثقافة اليوم -دع عنك غيرها- أن رجالها ونساءها لا يتحرجون من كشف أي جزء من أجزاء جسدهم. واللباس عندهم لمجرد الزينة، لا للستر. ولكن الإسلام أكثر ما يهمه من اللباس هو الستر دون الزينة. فهو يأمر الرجل والمرأة أن يسترا من جسمهما كل الأجزاء التي فيها جاذبية للصنف الآخر. والعري عند الإسلام من الوقاحة وسوء الأدب الذي لا يكاد حياؤه يصبر عليه بحال من الأحوال. وماذا يقال في الأجانب، إن الإسلام لا يحب حتى للزوجين أن يتجرد أحدهما أمام الآخر."وإذا أتى أحدكم أهله فليستتر. ولا يتجردان تجرد العيرين" [1] . وقالت عائشة رضي الله عنها:"ما نظرت إلى فرج رسول الله صلى الله عليه وسلم" [2] . وأفضل درجة من الحياء أن لا يرضى الإسلام للمرء أن يتجرّد حتى في خلوته، لأن الله أحق أن يستحيا منه [3] . وجاء في الحديث:"إياكم والتعري، فإن معكم من لا يفارقكم إلا عند الغائط وحين يفضي الرجل إلى أهله، فاستحيوهم وأكرموهم" [4] .

وما اللباس الذي يشفّ عن الجسم ويفضح العورات، بلباس في نظر الإسلام. قال رسول الله صىلى الله عليه وسلم:"نساء كاسيات عاريات مميلات مائلات، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها" [5] .

ولا نقصد في هذا المقام استيعاب جميع الأحكام الواردة في هذا الباب وإنما سقنا منها أمثلة معدودة، ليتأملها القارئ ويقدّر منها مقياس الإسلام العالي للأخلاق، وروحه الخلقي السامي. فالإسلام يريد أن يطهّر جو المجتمع وبيئته من كل مغريات الفحشاء والمنكر. وهذه المُغريات مصدرها جميعًا الباطن الإنساني. فهناك تنشأ جراثيم كل منكر وفاحشة. ومن هناك تبتدئ المحركات الخفيفة التي ربما غفل عنها الإنسان الجاهل زاعمًا إياها هنات لا تضرّ، ولكنها -في رأي الحكيم العليم- علّة العلل وأصل الأمراض التي تدمّر التمدّن والأخلاق والاجتماع. ولذلك يريد التعليم الخلقي الإسلامي أن يبعث في باطن الإنسان شعورًا نفسيًا من الحياء، يكون من القوة والشدة بحيث يدفعه على محاسبة نفسه بنفسه على الدوام، حتى إذا آنس في خفاياها أدنى ميل إلى المنكر، قهره بنفسه، وقضى عليه بقوة إرادته.

(1) ابن ماجة: باب التستر عند الجماع.

(2) شمائل الترمذي: باب ما جاء في حياء رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(3) الترمذي: باب حفظ العورة.

(4) الترمذي: باب ما جاء في الاستتار عند الجماع.

(5) مسلم: باب النساء الكاسيات العاريات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت