وتعال الآن نتقدم خطوة في البحث. إن وجود المرأة والرجل ليس وجودًا ماديًا فحسب، بل هو أيضًا وجود حيواني، ولننظر ما هو مقتضى كونهما زوجين بهذا الاعتبار. فيقول الخالق عز وجل:"جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ" (الشورى: 11) ويقول:"نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ" (البقرة: 223) .
ففي الآية الأولى قد ذكر الله تعالى خلق الإنسان والحيوان كليهما أزواجًا. وبيّن الغاية المشتركة بينهما من ذلك بقوله"يذرؤكم فيه"أي أن تجري بعلاقتهما الزوجية سلسلة التناسل. ثم أفرد النوع الإنساني عن سائر الأنواع في الآية الثانية وبيّن أن علاقة ما بين الزوجين من هذا النوع دون سائر الأنواع الحيوانية، كالعلاقة بين الحرث والحارث. وهذه حقيقة أحيائية ( Biological Fact) وأحسن تشبيه لصلة المرأة والرجل من وجهة نظر علم الأحياء. ويستنبط الباحث من هاتين الآيتين مبادئ ثلاثة أخرى هي:
1 -أن الله قد خلق الأزواج الإنسانية كالأزواج الحيوانية، لكي يجري بعلاقتهم الجنسية النسل الإنساني ويبقى النوع. وهذا من مقتضيات الطبع الحيواني في الإنسان، مما تجب مراعاته. فالله تعالى لم يخلق النوع الإنساني لأجل أن يمتع بعض أفراده أنفسهم بمتاع هذه الحياة ثم يموتوا وينقرضوا، بل هو سبحانه يريد أن يبقى هذا النوع في الأرض إلى أجل مسمى وما ركّب الميلان الجنسي في فطرته الحيوانية إلا حفزًا لأزواجه على التواصل والتناسل ليعمروا بذلك أرض الله. فكل قانون ينزل من عند الله ليس من شأنه أن يكبت هذا الميلان الجنسي أو يقضي عليه، ولا أن يدعو إلى احتقاره واجتنابه، بل لا بد أن يكون فيه مجال لتمكين المرء من الاستجابة لحاجته الفطرية هذه.
2 -وقد بين الله تعالى بتشبيهه للمرأة والرجل بالحرث والحارث أن العلاقة بين الزوجين الإنسانيين تختلف عن التي تكون بين الزوجين الحيوانيين. وقد ركبت أجسامهما من الوجهة الحيوانية أيضًا -دع عنك الوجهة الإنسانية- تركيبًا يستلزم لعلاقتهما ذلك الثبات والدوام الذي يكون لعلاقة الحارث بحرثه. فكما أن الحارث لا ينتهي عمله في الحرث بمجرد إلقاء البذر فيه، بل يكون من واجبه بعد ذلك أن يسمّده ويسقيه ويرعاه ويسهر عليه، كذلك ليس المرأة بمزرعة يلقي فيها من يمر بها بذره كيفما اتفق، فتنبت شجرة برية. بل هي إذا حملت، تحتاج إلى حارثها برعايتها وكفالتها.
3 -إن ما بين الزوجين الإنسانيين من الجاذبية الجنسية، هو باعتبار علم الأحياء ( Biologically) من نفس النوع الذي يوجد في سائر أنواع الحيوان. فكل فرد من جنس واحد يميل ميلانًا حيوانيًا إلى كل فرد من الجنس الآخر. وما رُكّب في طباعهم من النزعة القوية إلى التناسل، يجذب جميع أفراد الصنفين، الذين يَصْلحون له فعلًا، بعضهم إلى بعض. فالقانون الذي وضعه فاطر هذا الكون ما كان ليغفل عن هذا الجانب الضعيف من فطرة الإنسان الحيوانية، لأنه يكمن فيه ميلان شديد إلى الفوضى الجنسية ( Sexual Anarchy) لا يمكن ضبطه وتحديده إلا بالتدابير الخاصة من التحفظ والاحتياط. وإن انفلت هذا الميلان من القيد مرة، فلا يمنع الإنسان شيء عن تحوله إلى الحيوان بل إلى أسفل أنواعه."لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ" (التين: 4 - 6) .