إن أهم وألزم ما تتحقق به منزلة الإنسان في التمدن، وما يحفظ به الإنسان منزلته تلك، هو استحكام حالته الاقتصادية والحق أن جميع القوانين في هذا العالم -ما خلا الإسلام- قد أضعفت المرأة من الجهة الاقتصادية. وقد كان هذا العجز الاقتصادي في المرأة أكبر أسباب عبوديتها. وأرادت أوربة في العهد القريب أن تبدل هذه الحالة، ولكن بأن تجعل المرأة عضوًا كاسبًا في المجتمع. فأدى الأمر إلى مفسدة أخرى أكبر من الأولى، أما الإسلام فقد اتخذ بينهما طريقًا وسطًا. وذلك أنه خول المرأة حقوقًا واسعة في الميراث. فهي ترث أباها وزوجها وأولادها وغيرهم من أقاربها [1] ثم جعل لها أن تأخذ من زوجها المهر. وكل ما يجتمع لديها من هذه الوسائل من الأموال، قد منحها فيها كل حقوق الملكية والقبض والصرف. ولم يُجز لأبيها أو زوجها أو أحد آخر أن يتدخل في شيء منها. وفوق ذلك أنها إن كسبت ثروة بتثمير أموالها بالتجارة أو بجهدها وعملها الشخصي، فهي مالكة لها أيضًا من كل الوجوه ومع هذا كله يجب على زوجها أن يؤدي إليها نفقتها في كل حال .. ومهما كانت الزوجة عليه من الغنى والثروة، فإن ذلك لا يبرّئ زوجها من أداء نفقتها. وهكذا قد أحكمت في الإسلام حالة المرأة الاقتصادية إحكاما ربما تكون به أصلح حالا من الرجل.
(1) قد جعل للمرأة في الميراث نصف حظ الرجل. والسبب فيه أن للمرأة حقوق النفقة والمهر التي ليست للرجل. ولا تجب نفقتها على زوجها فحسب، بل تجب كفالتها على أبيها أو أخيها أو ابنها أو ولي لها آخر إذا كانت بكرًا أو أيمًا فلما كانت المرأة براء من تلك التبعات التي قد كلف بها الرجل، فمن الإنصاف أن لا يكون لها في الميراث مثل نصيب الرجل.