الصفحة 148 من 200

قد ألمعنا فيما سبق إلى أن الزنى والسرقة والكذب وغيرها من المعاصي التي يرتكبها الإنسان بدافع من الطبع الحيواني فيه، كلها مخالفة للفطرة الإنسانية، فيعبّر عنها القرآن بكلمة (المنكر) ومعناه: الشيء الذي يُجهل ولا يُعرف. فالمراد بتسمية تلك الأفعال كلها بالمنكر ما تُنكره الفطرة الإنسانية ولا تألفه. ومن الظاهر أنه إذا لم تكن تألفها فطرة المرء، وكان المرء، إنما يرتكبها باستيلاء الطبع الحيواني عليه، وإكراهه له على الأمر، فلا بد أن يكون في فطرة الإنسان نفسه شيء قد أومأ إليه الشارع الحكيم، وسماه (الحياء) .

إن الحياء يراد به في الإسلام ذلك الشعور من الخجل الذي يشعر به الإنسان في نفسه أمام فطرته وأمام الله تعالى حينما يميل إلى منكر وهذا الحياء هو القوة التي تكفّ الإنسان عن الإقدام عن الفحشاء والمنكر. فهو إن ارتكب سيئة بدافع جبلته الحيوانية، حز في نفسه هذا الحياء ونغّص عليه عيشه، وجماع التعليم والتربية الخلقية في الإسلام أنه ينعش هذه الغريزة المدفونة في الفطرة الإنسانية، فيغذيها وينميها بغذاء العلم والفهم والشعور، حتى يجعلها حاسة خلقية قوية، يقيمها في نفس الإنسان كالمأمور وهذا ما فسره النبي صلى الله عليه وسلم بقوله"ولكل دين خلق وخلق الإسلام الحياء"، تفسيرًا مطبقًا. وهو أيضًا مما يؤيده الحديث الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم:"إذا لم تستح، فاصنع ما شئت"ومعناه أنك إن فقدت الحياء، غلبك الهوى الذي مصدره الجبلّة الحيوانية. ولم يعد المنكر في نظرك منكرًا.

والحياء الفطري في الإنسان كالمواد الخام لم تُفرغ في قالب. فهو، وإن كان يتأنف من جميع المنكرات بالطبع، إلا أنه لا فهم له ولا إدراك فهو لا يعلم السبب لكراهيته لفعل منكر بعينه. وهذا الجهل يضعف فيه شعور الكراهية رويدًا رويدًا حتى يأخذ المرء في ارتكاب المنكر بدافع الحيوانية وغلبتها عليه. وتكراره لارتكابه يبطل فيه حاسة الحياء آخر الأمر. وغاية التعليم الخلقي في الإسلام رفعُ هذا الجهل والعمى من غريزة الحياء. فهو لا يعرّفها بالمنكرات الظاهرة البارزة فحسب، بل يوضح لها أيضًا سيئات النية والإرادة والأماني المكنونة في تضاعيف النفس، وينبّهها إلى مفاسد كل منها، لكي تكرهها كراهية بصيرة. وتأتي بعد ذلك التربية الخلقية، فتبعث في هذا الحياء المعالج بالتعليم، من قوة الحدس وشدته أن لا يخفى عليه أدنى ميلان في نفس المرء إلى منكر ولا يُقصّر في تنبيه النفس الإنسانية عند أدنى زلة في نيتها أو إرادتها.

وقد بلغ من سعة نطاق الحياء في التعاليم الخلقية الإسلامية أن لا تخلو منه شعبة من شعب الحياة. وقد استخدمه الإسلام حتى لإصلاح الأخلاق في شعبة التمدن والاجتماع التي تتعلق بحياة الإنسان الجنسية. فهو ينبهه على أخفى مداخل الريبة في النفس الإنسانية، ويجعله رقيبًا عليها، ولأن هذا المقام لا يتسع للبسط والتفصيل، نكتفي لبيان الأمر بأمثلة معدودة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت