هذا ما يتعلق بحقوق المرأة فحسب. ولكنه لا يقدر منه ذلك الإحسان العظيم الذي قد أولاه الإسلام المرأة. فهذا تاريخ الاجتماع الإنساني شاهد كله بأن وجود المرأة في هذه الدنيا كان عنوان الذلة والخزي والإثم. فكان من العار والهجنة للأب أن تولد له بنت. وكانت قرابات الختن تُعد من القرابات الساقطة الرذلة. وفي لغتنا الأردية لا تزال كلمتا (الحمو) و (الختن) تستعملان إلى هذا اليوم بمعاني الشتم والسب، تبعًا لذلك التصور الجاهلي. وكثيرا من الأمم راج فيها وأد البنات تفاديًا من هذا العار [1] . وقد ظل العلماء وزعماء الديانات -دع الجهلاء- يبحثون ويتناقشون، على طول القرون، في أن المرأة هل هي إنسان أو غير إنسان؟ وهل قد حباها الله روحًا أم لا؟ وكانت الديانة الهندكية قد سدت أبواب تعليم (اللويد) على المرأة. والديانة البوذية لم يكن فيها سبيل للنجاة لمن اتصل بامرأة. وأما النصرانية واليهودية، فكانت المرأة هي مصدر الإثم ومرجعه فيهما. وكذلك اليونان لم يكن لذات الخدر عندهم علم ولا حضارة ولا ثقافة ولا حقوق مدنية. وكانت المرأة التي تتمتع بكل ذلك في المجتمع هي المومسة ليس غير. وعلى مثله كانت الحال في الروم وفارس والصين ومصر وما عداها من مراكز الحضارة الإنسانية. فكانت العبودية والمحكومية والمقات العام الذي كان قد لازم المرأة على طول القرون، قد محا من نفسها الشعور بالكرامة وعز النفس. فكانت هي بنفسها قد نسيت أن لها في الدنيا حقًا تستحقه أو مكانة اجتماعية لها أن تتمتع بها. بل كان الرجل يعد من حقه أن يظلم المرأة وهي تعد من واجبها أن تصبر على ظامه. وكان قد ركز في نفسها من شعور العبودية ما يجعلها تفتخر بأن تدعو نفسها (داسي) أي أمة لزوجها، وتؤمن: (بتي ورنا) أي اتخاذ المرأة زوجها، معبودًا لها وإلهًا [2] .
(1) يذكر القرآن هذه العقلية الجاهلية بأسلوبه البليغ:"وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ، يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ" (النحل: 58 - 59) .
(2) تصوران من تصورات المجتمع الهندكي. والمصطلحان معروفان فيه إلى اليوم.