فالذي جاء وأحدث في هذه الأوضاع انقلابًا عظيمًا، لا من الجهة القانونية والعملية فحسب، بل من الجهة الفكرية أيضًا، هو الدين الإسلامي الحنيف. فهو الذي أصلح من عقلية الصنفين -الرجل والمرأة- كليهما. ثم هو الذي بعث في الذهن الإنساني تصور عزّ المرأة وكرامتها وحقوقها. فكل ما تسمع به اليوم من كلمات: حقوق المرأة وتعليم الإناث ونهضة النساء، هو دوي لصدى الإسلام الانقلابي الذي صدع به النبي محمد صلى الله عليه وسلم، والذي بدّل من مجرى الفكر الإنساني للأبد. فهذا النبي هو الذي علّم الدنيا أن المرأة إنسان كالرجل:"خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا" (النساء: 1) وأنه لا فرق بين المرأة والرجل عند الله تعالى"لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ" (النساء: 32) وأن درجات الارتقاء الروحي التي يستطيع أن ينالها الرجل بالإيمان والعمل الصالح، هي ميسورة للمرأة أيضًا. وإذا كان الرجل يستطيع أن يرتقي إلى مقام (إبراهيم بن أدهم) ، فلا شيء يمنع المرأة أيضًا من أن تبلغ في الكمال الروحي مبلغ (الرابعة البصرية) "فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ" (آل عمران: 195) ."وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا" (النساء: 124) .
ثم إن محمدًا صلى الله عليه وسلم هو الذي نبّه الرجل، وفي الوقت نفسه أشعر المرأة بأن للمرأة على الرجل مثل ما للرجل على المرأة."وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ" (البقرة: 228) وهو الذي أنهض المرأة من قرار الذلة والعار ورفعها إلى مقام العز. وهو الذي آذن الوالد بأن وجود الابنة في بيتك ليس بعار أو مخزاة لك، بل أنت إذا ربيتها وعرفت لها حقها، استحققت الجنة. فقال صلى الله عليه وسلم:"من عال جاريتين حتى تبلغا، جاء يوم القيامة أنا وهو، وضم أصابعه" [1] و"من ابتلي من البنات بشيء فأحسن إليهن، كنّ له سترًا من النار" [2] . وكذلك هو الذي علّم الزوج أن الزوجة الصالحة أكبر نعم الله عليك في هذه الدنيا."خير متاع الدنيا المرأة الصالحة" [3] "حبّب إلي من الدنيا النساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة" [4] "ليس من متاع الدنيا شيء أفضل من المرأة الصالحة" [5] . ثم هو الذي وصّى الابن بأن أحق خلق الله بإكرامه وتعظيمه وحسن معاملته بعد الله والرسول هو أمه."سأل رجل: يا رسول الله من أحق بحسن صحابتي؟ قال أمك. قال ثم من؟ قال: أمك. قال ثم من قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أبوك" [6] "إن الله حرّم عليكم عقوق الأمهات" [7] .
وأيضًا هذا النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي بين للإنسان أن شدة العواطف ورقة الإحساس والنزوع إلى التطرف، كل ذلك من فطرة المرأة التي قد فطرها الله عليها. وليس ذلك بعار للأنوثة بل هو ميزتها وجمالها. وكل ما يمكن أن تصيبه منها من نفع. فلست بمصيبه إلا بأن تدعها على فطرتها تلك. وإذا حاولت أن تجعلها صلبة مستقيمة كالرجل كسرتها."المرأة كالضلع إن أقمتها كسرتها. وإن استمتعت بها، استمتعت بها وفيها عوج" [8] .
(1) مسلم: كتاب البر والصلة والأدب.
(2) مسلم: كتاب البر أيضا.
(3) النسائي: كتاب النكاح.
(4) النسائي: كتاب عشرة النساء.
(5) ابن ماجه: كتاب النكاح.
(6) البخاري: كتاب الأدب.
(7) البخاري: كتاب الأدب.
(8) البخاري: باب مداراة النساء.