الصفحة 78 من 200

إن الفاطر قد خلق النوع الإنساني -كسائر الأنواع- أزواجًا، أي جعلهم صنفين اثنين، يميل أحدهما إلى الآخر بدافع طبعه. ولكن الذي يدل عليه ما علم من أحوال سائر الأنواع الحيوانية، هو أن الغاية من وراء التقسيم الصنفي والميلان الطبعي فيها هي مجرد بقاء أنواعها ولذلك قد أودعت تلك الأنواع من هذا الميلان ما لا بد منه لبقاء كل نوع منها، ووزعت في جبلتها قوة وازعة لا تدعها تتخطى ذلك الحد المعين في أداء وظيفتها الجنسية. وأما الإنسان -بخلاف ذلك- فهذا الميلان فيه ليس يحده حد ولا يضبطه ضابط، وهو أكثر وأشد فيه منه في سائر الأنواع فلا يقيده وقت من أوقات الليل والنهار، ولا فصل من فصول السنة الأربعة. ثم ليس في جبلته قوة وازعة تقف به عند حد بعينه. بل الرجل والمرأة يميل أحدهما إلى الآخر ميلانًا دائمًا أبديًا، وقد ركب فيهما ما لا يعد ولا يحصى من أسباب الجذب والانجذاب الصنفي، وأشربا في قلوبهما حب الجنس الآخر والولع به. ووضعت في تركيب أجسامهما وفي تناسبها وألوانها وهيئتها وملمسها، وفي كل جزء من أجزائها جاذبية الجنسين بعضهما لبعض. وأودعت رنة صوتهما ومشيتهما وحركاتهما ولفتاتهما قوة أخاذة. ثم قد بث القدر فيما حولهما ما لا يحد من الأسباب التي تحرك فيهما النزعات الجنسية وتُميل أحدهما إلى الآخر. فرفيف الريح، وجريان الماء، وخضرة النبات، وعبير الرياحين، وزقزقة الطيور، وعارض السماء ونعومة الليل المقمر! كل هذه المظاهر لجمال الفطرة وبهاء الكون، إن منها شيء إلا يحرك فيهما العواطف بنفسه أو بواسطته.

ثم إنك إن تأملت نظام الجسم الإنساني، علمت أن ما أودعه من مخزون القوة العظيم، هو في الوقت نفسه، قوة الحياة وقوة العمل وقوة الوظيفة الجنسية. فالغدد ( Glands) التي تهيء لأعضاء الإنسان الحاثات ( Hormones) وتبعث في جسمه قوة العمل والفطنة والنشاط، هي التي قد وكل إليها أن تنشئ فيه قوة الوظيفة الجنسية، وتنمي فيه العواطف المحركة لهذه القوة وتزوده بصنوف الأدوات من الجمال والرواء والوضاءة والروعة لاستثارة تلك العواطف. ثم تبعث في ناظرته وسامعته وشامّته ولامسته، وحتى في مخيّلته صفة التأثر بتلك الأصوات الجمالية.

وهذه الحكمة والتدبير نفسه، قد راعته الفطرة في قوى الإنسان النفسية. فكل ما أودعته نفس الإنسان من القوى المحركة، تتصل أسبابها بغريزتين قويتين: إحداهما: التي تحفزه على حفظ وجوده وخدمة ذاته. والأخرى، التي تدفعه إلى التعلق بالجنس المخالف. ففي عهد الشباب، حينما تكون القوى العملية في الإنسان على أشدها، تبلغ هذه الغريزة الثانية من القوة والشدة أنها كثيرًا ما تقهر الأولى. ويبلغ من تأثيرها في الإنسان أنه ربما لا يتردد في الإلقاء بيديه إلى التهلكة وهو يعلم!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت