لأي شيء ترى هذا التدبير المحكم؟ ألمجرد بقاء النوع؟ لا، لأن النوع الإنساني لا يحتاج لبقائه إلى كل ذاك التناسل الذي يحتاج إليه السمك والمعز وما إليها من الأنواع. فما العلة إذًا لكون الفاطر قد جعل حظ الإنسان من الميلان الجنسي أكثر من كل ما سواه من الأنواع، وأعدّ له من أسباب التحريك والتهييج ما لم يُعده لباقي الحيوان؟ هل ذلك كله لتوفير اللذة والمتعة للإنسان؟ لا، ليس الأمر كذلك أيضًا. لأن الفطرة لم تجعل اللذة والمتعة شيئًا مقصودًا بذاته في حال من الأحوال. وإنما هي تضع اللذة في عمل من الأعمال، حفزًا للإنسان والحيوان عليه، لتحقيق مقصودًا أسمى وأجل، حتى يقوموا بهذه الخدمة راضين، شاعرين بأنهم يفعلون ذلك لمصالحهم، لا لمصالح غيرهم. فتأمل الآن! ما هو ذاك المقصود الأسمى الذي ترمي إليه الفطرة في هذا الأمر. إنك مهما فكرت وتروّيت لم تفقه لكل هذا التدبير من غاية سوى أن الفطرة تريد للإنسان -بخلاف سائر الأنواع- أن يتحضر ويتمدّن!
فلهذا السبب وحده قد وُضعت في قلبه تلك الغريزة للحب والهوى الجنسي، التي لا تقتضي مجرد الاتصال الجسدي، والوظيفة الجنسية، بل تتطلب عشرة دائمة وصلة قلبية وتعلقًا روحيًا قويًا.
ولهذا السبب وحده قد جُعل الميلان الجنسي في الإنسان أضعاف ما فيه من قوة الجماع. ولو أنه يأتي الوظيفة الجنسية بقدر ما أودع من الشهوة والنزوع الجنسي، أستغفر الله، بل بقدر معشار ما فيه من تلك الشهوة والنزوع، لخانته صحته ونفذت قواه قبل أن أن يبلغ تمام عمره الطبيعي. وهذا من الدليل البين على أنه ليس المقصود بتوفير النزوع الجنسي فيه أن يأتي الوظيفة الجنسية أكثر من سائر الحيوان، بل يراد به وصل الرجل والمرأة بهذا السبب القوي، وجعل علاقة ما بينهما ثابتة مطردة!
ولأجل ذلك قد رُكّب في طبع المرأة -بجانب الشهوة والجاذبية الجنسية- الحياء والاحتشام والصدود والامتناع والفرار التي تتصف بها كل امرأة قليلًا أو كثيرًا. ولا ريب أن طبع الفرار والامتناع هذا ظاهر على إناث سائر الحيوان أيضًا، ولكنه في أنثى الإنسان أكثر وأشد. وقد زيد في شدته بما وُضع فيها من غريزة الحشمة والحياء. وهذا أيضًا يُستنبط منه أن المقصود بوجود القوة المغناطيسية الجنسية في الإنسان هو تحقيق الاتصال الدائم بين زوجيه، لا أن تنتهي كل نزعة جنسية فيهما إلى وظيفة جنسية.
ولهذا السبب قد خلق الطفل الإنساني أضعف وأعجز من نتاج سائر الحيوان. فيحتاج الولد الإنساني -بخلاف الحيوانات الأخرى- إلى رعاية والديه وتربيتهما مدة بضع سنين، ويتأخر فيه نشوء القوة والأهلية لكسب قوته، والاستقلال بنفسه في المعاش. وهذا كذلك مما يُراد به ألا ينحصر اتصال الرجل والمرأة في التعلق الجنسي بينهما، بل تحملهما نتيجة هذا التعلق على التعاون والتعامل في الحياة.