ولهذا نفسه قد فطر الإنسان أحنى على أولاده وأكثر حبًا لهم من كل الحيوان. فالحيوانات تفارق أولادها بعد أن تربيها لمدة قليلة، ثم تنقطع بينهما الأسباب حتى لا يعرف بعضها بعضًا بعد ذلك. والإنسان -بخلاف ذلك- يظل مأسور الفؤاد بحُب أولاده، حتى بعد انقضاء مدة التربية، ثم يمتد حبّه هذا من أولاده إلى أولاد أولاده. ويبلغ من سلطان هذا الحب على طبع الإنسان الحيواني الأناني أنه يحب لأولاده أكثر مما يحب لنفسه ويود من قرارة نفسه أن يهيء لخلفه أحسن ما يكون من أسباب العيش، ويورثهم كل ثمرات أعماله ومجهوداته في الحياة. فما كانت الفطرة لترمي من وراء هذه العاطفة الشديدة من الحب إلا أن تحول التلعق الجنسي بين الرجل والمرأة إلى رابطة أبدية. ثم تتخذ هذه الرابطة أداة لإنشاء العائلة، ثم تمضي هذه السلسلة من حب الأقارب والادنين تربط كثيرًا من العائلات بآصرة الصهر، حتى تشترك في الحب والأحبّاء، فيحملها هذا الاشتراك على التعاون والتعامل. وبذلك يقوم نظام للتمدن.