الصفحة 81 من 200

المسألة الأساسية للتمدّن

يتضح من ذلك كله أن وفور هذا الميلان الجنسي الذي لا يخلو منه عصب من أعصاب الجسد الإنساني أو ناحية من نواحي روحه ونفسه، والذي قد هيأ الفاطر لتعزيزه وتقويته أسبابا ومحركات في كل جانب من جوانب هذا الكون، على نطاق واسع جدًا، المقصود به: صرف (الفردية) في الإنسان إلى (الجماعية) . وإن الفاطر قد جعله قوة محركة أصلية للتمدن الإنساني. فبهذا الميلان الشديد والانجذاب الدائم يتحقق الوصل بين الجنسين من النوع الإنساني. ومن هذا الوصل بينهما تكون بداية الحياة الاجتماعية ( Social Life) .

وإذا تحقق هذا الأمر، تبين أن مسألة العلاقة بين الرجل والمرأة، هي في الحقيقة مسألة أساسية للتمدن، يتوقف على حلها الصحيح أو الخاطئ، صلاح التمدن أو فساده وخيره أو شره، وقوته أو ضعفه. وأن بين الجنسين الإنسانيين علاقتين إحداهما علاقة بهيمية -وبكلمات أخرى جنسية شهوانية خالصة- ليس المقصود بها إلا بقاء النوع. وأخرى علاقة إنسانية يراد بها للجنسين أن يتعاونا فيما يشتركان فيه من المصالح والأغراض، حسب ما أوتي كل واحد منهما من المواهب والكفاءات والأغراض، حسب ما أوتي كل واحد منهما من المواهب والكفاءات الفطرية ويُعينهما على هذا التعاون حبهما الجنسي الذي يكون بينهما واسطة الاتصال. وهذان العنصران -البهيمي والإنساني- يتعاملان في الجنسين ويستخدمانهما للقيام بشؤون التمدن وفي الوقت نفسه لإنتاج المزيد من الأفراد الذين يواصلون تدبير تلك الشؤون. وصلاح التمدّن متوقف على أن يكون امتزاج هذين العنصرين معتدلًا متزنًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت