فبهذه الحدود والقيود سدّت على المرء جميع أبواب الفوضى الجنسية، ولكنه كان من اللازم لتحقيق مطالب طبعه الحيواني، ولإبقاء الطريق الفطري المقرّر لهذا الكون، أن يفتح له باب يقضي منه حاجته الفطرية. ففتح له ذلك الباب بصورة النكاح. وأُبيح له أن يقضي حاجته تلك، ولكن من غير طريق الفوضى والإباحية، وفي غير حال التستر والخفاء، بل يفعل ذلك بإعلان منه وتصريح، حتى يكون من المعلوم المعترف به في المجتمع أن فلانًا وفلانة قد دخلا في عقد المعاشرة واقترنا."وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ ... فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ" (النساء: 24 - 25) .
فانظر ميزة الإسلام في تحري الاعتدال، إن العلاقة الجنسية التي كانت محرمة ومستشنعة خارج دائرة النكاح عادت في دائرة الزواج مباحة ومستحسنة، بل عملًا صالحًا يُؤمر به وينكر اجتنابه. وليس هذا فحسب، بل يصبح مثل هذه العلاقة بين الزوجين عبادة. حتى إن المرأة إن صامت النافلة أو دخلت في الصلاة أو التلاوة فرارًا من قضاء حاجة بعلها الشرعية، كانت آثمة ولم تُقبل منها تلك العبادة. ودونك بعض ما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب:"عليكم بالباءة فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، فمن لم يستطع منكم الباءة فعليه بالصوم، فإن الصوم له وجاء" [1] ،"والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له. لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء. فمن رغب عن سنتي فليس مني" [2] ."لا تصوم المرأة وبعلها شاهد، إلا بإذنه" [3] ."إذا باتت المرأة مهاجرة فراش زوجها، لعنتها الملائكة حتى ترجع" [4] ."إذا رأى أحدكم امرأة فأعجبته فليأت أهله، فإن معها مثل الذي معها" [5] .
وغاية الشرع من كل هذه الوصايا والأحكام أن تُسد أبواب الفوضى الجنسية كلها، وتحصر العلاقات الزوجية في دائرة الزواج وألا تكون خارج هذه الدائرة -ما أمكن- محركات جنسية من أي نوع. وأما الهيجان الذي ينشأ عن مقتضى الفطرة أو عن الأحداث المصادفة، فيكون لتهدئته وتسكينه ملجأ يُلجأ إليه وهو الزوج للزوج حتى يتمكن الإنسان من خدمة النظام الاجتماعي بقوة مدخرة مجتمعة ( Conservated Energy) ونفس هادئة سليمة من كل المحركات المتصنعة غير الطبيعية، ويستخدم عنصر الحب والنزعة الجنسية -الذي قد ركبه الله في كل رجل وامرأة لتسيير هذا النظام الكوني- لتشكيل الأسرة وإحكام أركانها. فالزواج في الإسلام هو مرضيّ من جميع الوجوه لأنه يفي بمطالب الفطرة الإنسانية والحيوانية كليهما ويحقق مقصود القانون الإلهي. واجتناب الزواج ممقوت من جميع الاعتبارات لأنه لا بد أن يضمن إحدى السيئتين: إما أن يجتنب الإنسان به تحقيق غاية القانون الطبيعي، فيضيّع قواه في محاربة الفطرة أو تتغلب عليه مطالب طبعه الحيواني فتكرهه على أن يقضي شهواته بالطرق المحرمة الخاطئة.
(1) الترمذي في كتاب النكاح. وفي هذا المعنى حديث في كتاب النكاح للبخاري.
(2) البخاري: كتاب النكاح.
(3) البخاري: باب صوم المرأة بإذن زوجها.
(4) البخاري: كتاب النكاح.
(5) الترمذي: باب ما جاء في الرجل يرى المرأة فتعجبه.