إن الطبع الحيواني -كما أسلفنا- كالفرش والأساس في خلقة الإنسان، وعليها رفعت قواعد إنسانيته. لذلك كان كل ما يحتاج إليه الإنسان لبقاء وجوده الفردي ووجوده النوعي، قد ركب الله في طبيعته الحيوانية النزوع إليه والرغبة فيه والاستعداد لتحصيله. وليس من مشيئة الفطرة ألا تُقضى أية رغبة من تلك الرغبات، أو يُبطل جانب من جوانب ذلك الاستعداد، لأن هذه كلها أيضًا لازمة للإنسان، وبدونها لا يمكن أن يعيش ويبقى نوعه. وإنما تريد الفطرة ألا ينحو الإنسان في قضاء تلك الرغبات واستخدام ذلك الاستعداد نحوًا حيوانيًا محضًا، بل يجب أن يكون طريقه في ذلك إنسانيًا بحسب ما يقتضيه طبعه الإنساني من الأمور، وبرعاية ما جعل في نفسه طلبه من المقاصد فوق الحيوانية. ولهذا الغرض قد وضع الله تعالى حدودًا شرعية، كي تضبط أعمال الإنسان بضابطة. ثم حذره بأنه إن تعدّى تلك الحدود، مائلًا إلى الإفراط أو التفريط، ألقى بيده إلى التهلكة."وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ" (الطلاق: 1) .
ولننظر الآن أي خصائص الفطرة الإنسانية وأي مقتضياتها في الشؤون الجنسية هي التي يُشير إليها القرآن الكريم:
1 -الذي أودعته الفطرة الإنسانية من نوع العلاقة بين الجنسين، يفصّله القرآن بما يأتي:"خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً" (الروم: 21) وبآية:"هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ" (البقرة: 187) .
فالآية السابقة في الصفحات الماضية، التي ذكرت كون الإنسان والحيوان معًا خُلقا أزواجًا، جعلت المقصود بخلق الزوجين بقاء النسل وحده. فالآن قد أفرد الإنسان عن الحيوان وذكر من خاصّته أن له من وراء الزوجية مقصدًا أسمى وأجل؛ وهو أنه يجب ألا تكون بين زوجية علاقة شهوة فحسب، بل تكون بينهما علاقة حب ومودة وأنس، وعلاقة تأتلف بها القلوب وتتصل الأرواح، ويكون أحدهما موضع سر للآخر وشريكه في البؤس والرخاء، ويكون بينهما من الملازمة والاتصال الأبدي ما يكون بين الجسد والثوب. فهذه العلاقة بين الصنفين -كما سبق أن فصلنا فيه القول- هي الصخرة الأساسية لبناء التمدن الإنساني. ثم أشير بقول (لتسكنوا إليها) في الآية، إلى أن المرأة موضع الراحة والسكينة للرجل. وليست وظيفتها الفطرية إلا أن تهيئ للرجل زاوية أمن وسكون وراحة في هذه الدنيا المملوءة بالمتاعب والمشاق. وهذه الزاوية هي حياة المرء العائلية التي قد تهاون بأمرها أهل الغرب لأجل المنافع المادية. والحال أن لهذه الشعبة من حياء المرء من الخطورة والأهمية ما لسائر شعب التمدن والعمران. وهذه أيضًا لازمة للحياة التمدنية كلزوم سائر الشعب لها.